الأربعاء، 1 فبراير، 2017

الجبهة الشعبية والعمليات الخارجية

السبت 5 آذار (مارس) 2016
 مقدمة :
منذ الثالث والعشرين من شهر تموز عام 1968 ، وهو اليوم الذي تم فيه بدء تنفيذ أول عملية عسكرية للجبهة الشعبية ضد أهدف العدو الاسرائيلي خارج الأرض الفلسطينية والعربية المحتلة ، وذلك السيطرة على طائرة شركة العال “بوينغ” 707 من مطار روما وتغيير اتجاهها على مطار الجزائر مروراً بعمليتي الهجوم على طائرة العال في مطاري أثينا وزيورخ إلى عمليات العبوات الناسفة والحارقة في محلات ماركس وستبنسر ومخزن مؤسسة سيلفر ريدجرز الصهيونية إلى وضع عبوة ناسفة في مكتب شركة الملاحة الاسرائيلية “زيم” في لندن إلى عملية الاستيلاء على الطائرة الأمريكية التابعة لشركة T.W.A من مطار روما وإرغامها على الهبوط في مطار دمشق وتدمير مقدمتها , وثم عمليات الهجوم بالقنابل على سفارتين اسرائيليتين في كل من بون ولاهاي وعملية الهجوم على مكتب شركة العال في بروكسل , أثارت وما زالت تثير تساؤلات كثيرة وولدت ردود فعل متفاوتة عند الكثيرين .
واحتلت أخبار هذه العمليات عناوين بارزة في الصحافة المحلية والعربية والعالمية ، وما تبع كل عملية من تعليق تتفاوت درجات التقييم فيه بين تأييد كامل إلى تأييد متحفظ قادر على فهم دوافع هذه العمليات ولكنه يخشى من بعض نتائجها.
وللإجابة على ذلك لا بد أولاً من تحديد طبيعة العدو الذي نجابهه وممن يتكون ، وهنا وقبل كل شيء لا بد من تحديد العدو الذي نحاربه ، فمن خلاله معرفة العدو نستطيع ضربه ضربات موجعة مدمية في أي موقع من مواقعه بغض النظر أين يكون هذا الموقع من الناحية الجغرافية .
وطبيعي أن تركز حروب التحرير على ضرب مجالات العدو الإستراتيجية الحيوية،لكن من الأهمية بمكان ضرب المجالات التي أوجدت هذا العدو في هذا الموقع الذي هو فيه الآن والتي ما زالت بمثابة المعين الذي لا ينضب تمده بكل مقومات الحياة لكي يبقى وينمو .
 من هم أعداؤنا ؟
من الأمور الأساسية لأي ثورة ناجحة أن تتسلح بالرؤية الثورية الواضحة ، ومن أولويات هذه الأمور تقييم الخصم وتحديد أبعاده ومعرفة حقيقته معرفة تامة ، لأن طبيعة العدو تحدد طبيعة المواجهة ، إذن لا بد من النظرة العلمية العميقة الى معسكر الخصم وخصائصه.
فمعسكر الخصم ليس إسرائيل وحدها وإنما هو إسرائيل والحركة الصهيونية العالمية والامبريالية العالمية والرجعية العربية.
فإسرائيل في حقيقتها ما هي إلا الوجود الملموس للصهيونية وثمرة لجهدها ، وتستند إلى قوتها وتتمتع بمزايا انتشارها في أجزاء متفرقة من أنحاء العالم ، وما لها من نفوذ مالي وسياسي و إعلامي لا تبخل في استغلاله واستخدامه في مساندة إسرائيل بل تسخر الصهيونية طاقاتها في كافة المجالات فتمدها بكل مقومات الحياة.
والصهيونية العالمية بطبيعتها لها علاقات متداخلة ومصالح متشابكة مع الامبريالية العالمية ، والأخيرة لها نفس العلاقات والمنافع مع إسرائيل ككيان صهيوني يتربع في قلب الوطن العربي ويلعب بحكم العلاقات النفعية المتبادلة دور الدرك لمصالح الامبريالية في الوطن العربي .
إن الامبريالية العالمية بمساندتها لإسرائيل وحمايتها لها والمحافظة على وجودها هو أمر أساسي بالنسبة لمصالح الامبريالية العالمية الضخمة في الوطن العربي المتمثلة في استغلال ونهب الثروات ، يفرض عليها أن تحافظ على هذه المصالح من خلال إسرائيل وبواسطتها لمحاربة أي تحرك ثوري قد يهدد مصير وجودها المتمثل بالاحتكارات ... أي أن هنالك تلاحم عضوي بين إسرائيل والحركة الصهيونية من جهة وبينها وبين الامبريالية العالمية من جهة ثانية . فالامبريالية تعني المزيد من السلاح والدعم والمال لإسرائيل ، أي أنها تعني طائرات “الفانتوم” وأسرار القنبلة الذرية لإسرائيل وبناء الاقتصاد نتيجة تدفق بلايين الدولارات والماركات على إسرائيل. ومن ناحية أخرى فإن الرجعية العربية في أية معركة تحريرية حقيقية تخوضها الجماهير للقضاء على نفوذ الامبريالية في الوطن العربي لا يمكن أن تكون إلا إلى جانب مصالحها المتوقف استمرارها على بقاء الامبريالية , ومهما بلغت تناقضات الرجعية العربية مع اسرائيل والامبريالية فإنها تدرك دائماً أن تناقضها الأساسي هو مع حركة الجماهير التي تستهدف القضاء التام على مصالحها وسلطتها .
 الجهود المشتركة بين الصهيونية العالمية والامبريالية لإقامة اسرائيل .
إننا هنا لن نعالج تفصيلاً دور الصهيونية العالمية التي تعاونت مع الاستعمار والامبريالية العالمية في غرس اسرائيل في فلسطين ومدها بكل عون ومساندة من أجل بقائها لتلعب دور الحارس الأمين للمصالح الامبريالية في استغلال ثروات المنطقة العربية وعلى الأخص البترول العربي شريان حياتها ، وإعادة استثمار رؤوس الأموال المتراكمة من الأرباح الطائلة التي حققتها نتيجة هذا الاستغلال ، لا عن طريق إنشاء الصناعات والمشروعات الإنتاجية بل عن طريق جعل المنطقة سوقاً استهلاكية لمنتوجاتها وبضائعها وتحقيق تراكم رأسمالي جديد عن طريق الأرباح وإعادة الاستثمار .
إن الخوض في مثل هذه التفاصيل قد يخرجنا عن صلب الموضوع الذي نحن بصدده وفي هذه الحالة لابد من تسجيل مجموعة حقائق أصبحت تشكل بديهيات أساسية عن القضية الفلسطينية وهي :
1- قامت الحكومة البريطانية عبر انتدابها على فلسطين دون شرعية أو حق قانوني بتسهيل إقامة الكيان الصهيوني على حساب شعب فلسطين صاحب الحق والأرض والذي حرم من حقه ومن أرضه بطرده من وطنه.
2- لعبت الحكومة الأمريكية دوراً رئيسياً في أواسط الأربعينات وفيما بعد بإنشاء الكيان الصهيوني المتمثل بقيام اسرائيل ، وتعاونت كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية مع غيرها من الدول الغربية الأخرى في تثبيت اسرائيل ودعمها ومساندتها بشكل مطلق منذ عام 1948 وحتى الآن ولن تتوقف .
3- نتج عن قيام اسرائيل ودعمها وتوسعها الإقليمي في الأعوام 1948 – 1956 – 1967 تشريد ما يزيد عن مليون ونصف المليون عربي فلسطيني. كل ذلك كان نتيجة الجهود التي قامت بها المنظمة الصهيونية العالمية المنتشرة فروعها في جميع أنحاء العالم ، وعن طريق الدعم المستمر من الدول الامبريالية المتمثلة في حكومات الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا الغربية وغيرها .
4- إن المنظمة الصهيونية العالمية بكل مؤسساتها وفي شتى المجالات وفي جميع أنحاء العالم،هي امتداد عضوي لدولة اسرائيل وهي في الوقت نفسه نقاط التقاطع بين المصالح الامبريالية من جهة والمصالح الاسرائيلية من جهة أخرى , وقدمت هذه المنظمة الصهيونية مساعدات بشرية وعسكرية ومالية وسياسية ودعاوية كانت بمثابة دم يومي جديد صب في شرايين الكيان الاسرئيلي المقام في فلسطين
على ضوء العرض السابق من تحديد العدو وتسجيل مجموعة الحقائق البديهية الموجزة لدور الصهيونية العالمية والامبريالية العالمية ، وتشابك المصالح المشتركة لكل هذه القوى والتقاء هذه القوى والمصالح مع القاسم المشترك المتمثل في الوجود الاسرئيلي على حساب مصلحة الشعب العربي الفلسطيني في وطنه ، وطالما أن الحركة الصهيونية بمساعدة الامبريالية العالمية لا زالت تشهر على عرب فلسطين حرباً معلنة في كثير من الحالات وغير معلنة في حالات أخرى في بقاع جغرافية متفرقة في جميع أنحاء العالم ، وذلك عبر المساعدات المختلفة في كافة المجالات للإبقاء على اسرائيل وللإبقاء على الظلم والأذى الواقعين على شعب فلسطين ، فإن من حق الشعب الفلسطيني أن يواجه هذه الحرب العدوانية بإستراتيجية عسكرية ، تكفل له ضرب العدو وقواه غير الخفية وامتداداته الطبيعية أينما كانت ليتمكن من تحقيق النصر .
فإنه لأمر طبيعي جداً أن يحرك الشعب الفلسطيني مقاتليه في داخل المناطق المحتلة ويركز ضرباته على أهداف العدو ومجالاته الحيوية ومقاتلة المحتلين الاسرائيليين .
وإنه لأمر طبيعي أن يحرك شعب فلسطين وحداته المقاتلة من خارج المناطق المحتلة للدخول إلى وطنه المحتل وملاقاة أعدائه وضربهم , لأن الشعب الفلسطيني ليس مسؤولاً عن نزوحه ووجوده في مناطق خارج وطنه ، وإنه لأمر طبيعي جداً أيضاً أن يحرك شعب فلسطين فدائييه إلى أي بلد أينما كان لمواجهة امتدادات اسرائيل خارج فلسطين المحتلة وشن حرب في الخارج للرد على الحرب التي تشنها عليه عبر مؤسساتها الصهيونية من مواقعها المتعددة في الخارج , وإنه لمن الطبيعي كذلك أن تجسد حركة المقاومة الفلسطينية شعار محاربة الامبريالية وضرب مصالحها داخل الوطن العربي ، المتمثلة أساساً باحتكاراته البترولية التي تتحول على أرباح طائلة على حساب الكادحين من أبناء الشعب العربي المستغلين (بفتح الغين) ويعود جزءاً كبيراً من هذه الأرباح لصنع النابالم ليحرق أطفال وشيوخ ونساء شعبنا الفلسطيني والعربي.
ومثلما أن الجغرافيا قضية غير مهمة في الحرب الشاملة ، التي يشنها الاستعمار وإسرائيل والصهيونية على شعب فلسطين والأمة العربية ، فإن الجغرافيا يجب أن تكون قضية غير مهمة في الحرب الشاملة التي يقوم بها شعب فلسطين لمواجهته الحرب العدوانية الموجهة ضده.والمسألة ليست داخل المناطق المحتلة أو خارجها .
فلا أسيوط أو السويس أو بور سعيد ( ج ، ع ، م ) في مناطق “داخل المناطق المحتلة” ولا ميسلون أو دمشق ( ج ، ع ، س ) “داخل المناطق المحتلة” وأيضاً ليس مطار بيروت أو قرية راشيا الفخار أو قرية عيترون “لبنان” هي مناطق داخل المناطق المحتلة.
مما لاشك فيه ومما لا يمكن اللف من حوله أو تجاهله هو أن هذه العمليات ولدت ردود فعل متفاوتة وأثارت جدلاً طويلاً ومكثفاً لازال بالإمكان إحساسه وسماع ضجيجه ومتابعة الأخذ والعطاء فيه .
بين اتجاه أعلن تأييده الشامل والمطلق لهذه العمليات وطالب بأكثر منها ، واتجاه صرح بتأييده المتحفظ المتراوح بين درجتي القادر على فهم دوافع هذه العمليات أولاً , والتحاشي من بعض نتائجها ثانياً , واتجاه معارض يتفاوت بين أؤلئك الذين يفهمون الدوافع ويرفضون الأسلوب وأولئك الذين لا يفهمون ولا يريدون فهم الدوافع ، وهم بالتالي يرفضون هذه العمليات ويطالبون بوقفها وحتى معاقبة الفدائيين الذين ينفذونها . وبالحقيقة فإن هذا التباين في ردود الفعل من أدناه إلى أقصاه ، هو تباين طبيعي وهو لذلك متوقع , بل الغريب أن لا يكون هناك مثل هذه الردود فهو الأمر غير الطبيعي والأمر غير المتوقع.
وعلى أية حال فأين هو الإجماع الدولي المؤيد كلياً أو المعارض كلياً لأية قضية هامة أو هامشية من القضايا التي تحدث على المسرح العالمي ؟
وأكثر من ذلك ، أين هو الإجماع الدولي المؤيد كلياً أو المعارض كلياً لأسلوب الكفاح المسلح الذي تبناه شعب فلسطين أو أي شعب مقهور آخر ؟ ثم أين هو الإجماع الدولي المؤيد كلياً ، أو المعارض كلياً لعمليات الفدائيين الفلسطينيين داخل المنطقة المحتلة.
وأما ما يثار عن أن مثل هذه الضربات ستؤدي إلى رد فعل إسرائيلي ، ستكون نتيجته ضربات توجه إلى الطائرات العربية أو مكاتب السفر العربية أو السفارات العربية فأمر يحتاج إلى حديث طويل،إذ أية طائرة عربية تلك أو أي مكتب سفر ذاك أو أية سفارة عربية تلك التي يمكن أن تكون أهم من أبناء بورسعيد أو ميسلون أو السلط أو عيترون الذين تلقى عليهم بين آونة وأخرى قنابل النابالم ؟
وأي مكتب سفر ذاك أو أية سفارة تلك الأهم من قصف الطائرات أو المدافع الإسرائيلية للمنشآت المدنية والاقتصادية في “ج.ع.م” أو لبنان أو الأردن أو سوريا ؟
وأما ما يقال عن أن مثل هذه الضربات تؤذي سمعة الثورة الفلسطينية ، تستعدي الرأي العام الأوروبي أو الأميركي فإنه قول لا قيمة له ، إذ منذ متى هذا الحرص على رأي العالم الغربي الذي أدار طوال سنين وسنين أذناً صماء لكل القرارات الدولية التي اتخذت لصالح الحق العربي في فلسطين،ومنذ متى نظر العالم الغربي إلى الثورة الفلسطينية نظرة الاحترام والإكبار؟
إن ضربات مثل هذه ضربات الجبهة الشعبية هي الإعلام الثوري الذي نجح في نزع الشمع عن الآذان الغربية التي لم تسمع في الماضي،ومسح القذى عن العيون الأوروبية التي لم تستطع أن ترى الحقيقة في السابق.
وهذا هو بالذات التفسير الوحيد الكامن وراء ظهور مقالات مثل مقالات “أرنولد توينبي” المؤرخ البريطاني العالمي ، أو لجان عفوية شكلت طوعاً لدعم الجبهة الشعبية وقضية العرب في فلسطين ، كما حصل في إيطاليا وسويسرا والسويد وباكستان أو برقيات ورسائل التأييد التي وردت من أمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية وغيرهما ، ويكفي أن ذلك الجزء من الرأي العام العالمي الذي غطته الدعاية الامبريالية والصهيونية برداء الجهل طوال مدة طويلة ، بدأ يتساءل أسئلة من نوع :
لماذا يموت شاب مثل عبد المحسن حسن على ثلوج مطار زيورخ ؟ . أو لماذا تعرض فتاة مثل أمينة دحبور نفسها للموت أو الاعتقال في سجون سويسرا ؟ . أو لماذا يعرض ماهر اليماني ومحمود عيسى نفسيهما للموت أو السجن في معتقلات اليونان ؟ . أو لماذا تخاطر ليلى خالد وسليم عيساوي بحياتهما في عملية جريئة مثل عملية الاستيلاء على الطائرة الأمريكية التابعة لشركة الخطوط الجوية العالمية وتدميرها ؟ وأخيراً وليس آخراً لماذا يشتري شبل مثل خالد أو طلعت أو وائل أو عادل ..الموت أو السجن في أكثر من مدينة أوروبية .
والأمور تقاس عادة بنتائجها , إن ضربة واحدة من هذه الضربات ، كانت أشد فعلاً وأبعد أثراً من مكاتب إعلام أو ملحقين ثقافيين أو صحفيين ، أنفقوا أموالاً وجهوداً كان يمكن لو وضعت في خدمة الثورة الفلسطينية لكانت الثورة نمت وتصاعدت وأفادت على الصعيد الإعلامي أكثر .
وأما القول بأن مثل هذه الضربات أدت أو ستؤدي إلى استنفار أو استعداء أمريكا أو ألمانيا أو بريطانيا أو غيرها فإنه قول يبلغ قمة المهزلة ، إنه قول يلغي ببساطة ساذجة تاريخاً كاملاً عن معاناة شعب فلسطين والأمة العربية من قبل هذه الدول إنه “حجة” تدعو إلى قيام “غزل” لا يختلف عن الدعوة إلى قيام غزل بين زوج يقف على قبر زوجته التي لم يكد يواريها التراب .
إذ أن الحديث عن علاقات يمكن أن تقوم بين أي شعب وبين مضطهديه الامبرياليين هو نوع من أحلام دفنتها الشعوب منذ مدة وتابعت سيرها على طريق الثورة والحرية .
إن السؤال الذي يجب أن يسأل هو : ما هو الشيء الذي لم تقدمه هذه الدول الاستعمارية لإسرائيل بعد؟ وما هو الدليل الذي لا زال البعض بحاجة إليه ليثبت لهم عداء الدول الاستعمارية المستعمرة لنا ولقضايانا .
وأما القول بأن التجربة الفلسطينية هي الوحيدة التي اختطت لنفسها هذا الخط من أسلوب المقاومة في ضرب امتدادات العدو خارج مجاله فإن هذا غير صحيح , وحتى لو كان الأمر كذلك افتراضاً فإن الخط يتمشى بمنطق لا مثيل له مع طبيعة العدو الصهيوني الملتحم مع الإمبريالية ويرد على خصوصية تلك الطبيعة ومع ذلك فإن المقاومة المسلحة والثورات التحريرية عرفت مثل هذا النوع من النشاط “الضرب في الخارج” أثناء تجاربها الطويلة.
فالثورة الجزائرية ضربت أكثر من مرة داخل باريس ذاتها ، وأما القول أن العالم لم يسمع عن ثورة تقاتل خارج أرضها ، كما قيل تضليلاً مرة فإن العالم أيضاً لم يسمع عن دولة أسست من خارج الأرض التي استعمرتها وطردت شعبها وأسكنت أناساً غرباء فيها .
فإذا كانت اسرائيل هي التجسيد المادي للأفكار الصهيونية فما الذي يمنع من ضرب المؤسسات الصهيونية التي هي نوع آخر من التجسيد الاسرائيلي , إن كل تساؤل عن جدوى العمليات الخارجية سيسقط عندما يصبح كل امتداد اسرائيلي في العالم معرضاً للضرب في أية لحظة ، وحين تكون كل مؤسسة صهيونية في موقع الخطر يومياً وحين تكون الامبريالية بمصالحها ومؤسساتها عرضة للعقاب المستمر .
إن ثمة حرب طرفها الأول اسرائيل والصهيونية والامبريالية العالمية والرجعية ، وطرفها الثاني شعب فلسطين والأمة العربية والتقدميون في العالم , ومثلما أن العدوان على شعب فلسطين لا ينطلق من بقعة جغرافية محددة بل آت من عدة أماكن في هذا العالم فإن مواجهة العدوان التي يقوم بها شعب فلسطين لا يمكن أن نلزمها بالعمل في رقعة جغرافية محددة . هذه هي أطراف الصراع وذاك هو منطق المجابهة الثورية .
 العمليات الخارجية : مناقشات
في أعقاب حادث انفجار طائرة سويسرية في الجو في شباط 1970 ، تفجرت من جديد مناقشات من زوايا مختلفة لمبدأ العمليات الخارجية ، وبالطبع استهدفت هذه المناقشات السعي نحو “إدانة” الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وإستراتيجيتها أكثر مما استهدفت إجراء تقييم موضوعي لهذا الجانب الهام من جوانب نشاط المقاومة الفلسطينية المسلحة .
وفي أسبوع واحد ظهر مقالان حول هذا الموضوع ، الأول “المصور” القاهرية ، والثاني في “الحرية” البيروتية .
إن ملاحظة مهمة يجب تأكيدها قبل الشروع في تفحص مجموع الآراء التي يطرحها أعداء استراتيجية تعقب العدو في كل مكان:
 خلال عام 1969 شكلت العمليات الخارجية ما نسبته حوالي 3 % فقط من مجموع عمليات الجبهة الشعبية المسلحة ، وهذه الحقيقة مهمة للغاية لأنها تلغي اتهاماً تبسيطياً وانتهازياً شائعاً هو القول بأن الجبهة الشعبية تقاتل العدو فقط “خارج فلسطين والأراضي العربية المحتلة” ، فمثل هذا القول مغرض بمقدار ما هو مزور فالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تضرب العدو في الداخل والخارج ، بل أنها تضربه في الداخل أكثر بمئات المرات مما يفعل أولئك الأكثر تطرفاً في نقد الجبهة الشعبية ، ومن العدل أن نسجل أنه في حين تبلغ نسبة عمليات الجبهة الشعبية الديمقراطية داخل فلسطين المحتلة أقل من 2 % من مجموع عملياتها المرتكزة في وادي الأردن وخط هدنة 1948 في جنوب لبنان ، فإن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين هي التنظيم الفلسطيني الذي سجل أكبر نسبة من العمليات المسلحة عميقاً داخل فلسطين المحتلة (تل أبيب ، حيفا ، الطنطورة ، القدس ، رام الله ، الخليل...الخ) وهي التي تقود - منفردة تقريباً - الثورة المشرفة واليومية في قطاع غزة الملتهب .
 إن هذه الحقيقة يجب أن توضع في الاعتبار حين التحدث عن الجزء الخاص بالمجال الخارجي من نشاط الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، وإلا انتهز المزايدون والمرتجلون الفرصة لقلب الميزان...وقبل الدخول في مناقشة وجهات النظر تلك ، ثمة ضرورة ملحة لتحديد مواقف مبدئية :
• أولاُ : إن حرق مأوى العجزة اليهودي في ميونيخ ، الذي استخدمه البعض “مدخلاً” للحديث عن العمليات الخارجية , صحيح أن معظم المقالات التي كتبت في هذا المجال ــ بأقلام عربية ــ لم تذهب إلى حد تحميل مسؤولية هذا العمل للفدائيين ، ولكنها حرصت بنفس المقدار على استخدام الجو السلبي الذي أحاط بذلك الحادث لتسريب مواقفها المتخاذلة . إن الإثبات الوحيد الذي تبقى عن الحريق في مأوى العجزة اليهودي هو ( كما تقول دير شبيغل الألمانية – 9 / 1970) تنكة بنزين من ماركة “آرال” وكانت تنكة من نفس النوع قد سرقت قبل الحريق بأسبوع من ثكنة “ماك غرو” الأميركية في ميونيخ ، وهذا وحده يكفي للإشارة بأصبع الاتهام إلى جهات غير فلسطينية وغير عربية لأن هذه الجهات مهتمة بنسف تلك “القاعدة” أكثر من سرقة تنكة بنزين منها !
• ثانياً : إن حادث انفجار الطائرة السويسرية في الجو مازال محاطاً بالغموض ، وبرغم أن مجموع التنظيمات الفدائية أعلنت عدم مسؤوليتها عن عمل من هذا النوع لاتهام جهات فلسطينية بهذا العمل ، ومن المؤسف أن بعض “العرب” وقع في هذه الشبكة التآمرية...
• ثالثاً : حادث انفجار القنابل اليدوية في مطار ميونيخ ، الذي نفذه رجال “الهيئة العاملة” يتحمل المسؤولية الأولى فيه الطيار الاسرائيلي الذي هاجم أحد الفدائيين فيما كان يحمل قنبلة يدوية مفتوحة الزناد ، فأدى ذلك إلى انفجارها في سيارة الركاب التي كانت متوجهة إلى الطائرة ، والتي كان يعتزم الفدائيون ــ بالتهديد ــ الوصول إليها وخطفها ، وهذه “الخصوصية” للحادث المذكور يجب أن توضع دائماً في عين الاعتبار عند البحث فيه.
• رابعاً : بصرف النظر عن كل هذه التفاصيل فإن مبدأ القبول بإستراتيجية العمل الفدائي في الخارج ــ شأنه شأن أي مبدأ آخرــ لا يخضع لحالة الإطلاق والتعميم ، وليست كلمة “العمل الخارجي” كلمة سحرية يمكن لأي كان أن يدرج تحتها أي عمل ينتسب جغرافياً إلى “الخارج” ، ومن الواضح أنه يمكن لعملية خارجية أن تكون ممتازة ويمكن لعملية أخرى مختلفة أن تكون مسيئة ، وهذه المسألة تتعلق بنوع العملية ، واستهدافاتها ، وتوقيتها ومكانها ، وكفاءة تخطيطها وتنفيذها ، والقضية التي تخدمها ، وأثرها الدعاوي والإعلامي والتحريضي والتعبوي ، وإلى آخر هذه القضايا التي لا تقتصر أهميتها الجوهرية على العمليات الخارجية ، ولكن على كل عملية عسكرية تقريباً...
وإذا كان من الخطأ تبرير وتمجيد “كل” عملية خارجية ، فإن الخطأ الموازي في السذاجة هو إدانة وشجب “كل” عملية في الخارج ( كما دأبت بعض الجهات على ذلك دون مسؤولية ) فليس ثمة شيء صائب بالمطلق ولا شيء خاطئ بالمطلق .
 وجهة نظر “المصور” :
بعد هذه المقدمة ، لا بد من إلقاء نظرة على تعليقين من تعليقات كثيرة ظهرت في الأسبوع الماضي : الأول كتبه أحمد بهاء الدين في “المصور” ( 27/2 ) والثاني ظهر في “الحرية” ( 2/3 ) .
إن السيد أحمد بهاء الدين يلاحظ عن حق ، أن عمليات الخارج “بدأت بطريقة محسوبة” ولكنه يخطئ حين يقول ان صعوبات قد نشأت “جعلت هذه العمليات تخرج عن الخط المرسوم لها” ، فقد كان من المفترض منذ البدء أن العمليات الأولى ستؤدي إلى نشوء صعوبات ، ولم يكن من المفترض معاندة هذه الصعوبات بصورة مرتجلة ، وما أٍماه الأستاذ بهاء الدين “خروجاً” عن الخط المرسوم ، كان “رسماً” لخط مختلف.
إن الأستاذ بهاء الدين على حق حين يدين الارتجال في العمليات الخارجية ، وربما كان هذا الارتجال في عمليات ظهرت مؤخراً في الخارج هو الذي يستحق البحث والتعقب والنقد ، ولكن هذه المسألة مختلفة عن المسألة الأولى .
ربما كان اعتقاد الأستاذ بهاء الدين بأن “السهولة النسبية لبعض العمليات الخارجية ، سوف يكون إغراء مستمراً للمنظمات الصغيرة” هو الذي جعله يتخوف ، وبالتالي يمزج بين الأخطاء الناتجة عن الارتجال وعن “السهولة” بالمبدأ .
الشيء المؤكد هو أن العمليات الخارجية ليست سهلة ، ولا هي سهلة نسبياً ، بل هي في الحقيقة أكثر صعوبة وتعقيداً واستنزافاً للجهد وللوقت من العمليات الأخرى ، وإذا كان طرف ما قد اعتقد أنها “سهلة” وأوقعه ذلك الاعتقاد بأخطاء ، فهذا لا يدين المبدأ..فكم من الأطراف اعتقد أن تحريك دورية فدائية في الأراضي المحتلة هي مسألة سهلة ، وكم أدى مثل هذا “الاستسهال” إلى أخطاء غالية الثمن ، ولكن هذا شيء ، وإدانة المبدأ شيء آخر.
على أن الأستاذ بهاء الدين ، في الواقع ، يقترح اقتراحاً صائباً حين ينتهي إلى القول بأن الأسئلة الأساسية هي : “ما هو العمل الفلسطيني في الخارج ؟ ما و المباح فيه وغير المباح ؟ ما هي الأفكار الجديدة التي يمكن ابتكارها له ؟” إن هذه الأسئلة مهمة لأنها – بالنسبة للجبهة الشعبية على الأقل – قد طرحت قبل إقراد المبدأ ، ولم يكن ذلك الإقرار إلا موقفاً استراتيجياً تخضع العمليات الخارجية لخدمته ، وقد شرحت تلك الإستراتيجية في أكثر من مناسبة وفي معظم الأحيان في نفس المكان الذي كان ينفذ فدائيوها فيه عملياتهم .
 “الحرية” : عرض خاطئ
وإذا كان الأستاذ بهاء الدين قد تناول هذا الموضوع تناولاً موضوعياً ، وطرح وجهة نظره من زاوية بناءة تستهدف تحقيق درجة متقدمة من الجدوى واختصاراً أشد للأخطاء ، فإن مجلة “الحرية” قد فعلت العكس ، وراحت تستخدم أوصافاً واصطلاحات أن هي لا تدل على جهل كتابها لمعانيها فهي تدل على استخفافهم بوعي القارئ.
وفي نوع مكشوف عن التحريف المتعمد مضت “الحرية” تسجل مقطعاً من كتابات لينين وراء مقطع من كتابات لينين ، تستعير من خلالها مواقفه إزاء أحداث معينة ، مختلفة كلياً عن موضوع العمليات الخارجية لتصف من خلالها موقفاً ماركسياً مزعوماً من مسألة العمل الخارجي .
وطريقة الحرية في ذلك هي ذاتها طريقتها في الكثير من “تحليلاتها” : فهي تضع افتراضاً خاطئاً ، وتروح تثبت – بالاقتباس من بطون الكتب – ما يؤيد موقفها من ذلك الافتراض ، فقد قررت ، هكذا ، أن العمليات الخارجية هي “عمليات إرهاب فردية” ، ثم اقتبست لينين لإدانة عمليات “الإرهاب الفردية” ، بين الافتراض والاقتباس ألفت محاضرة نظرية مكرورة ومفروغ من بديهياتها ، عن العمل الجماهيري ..!
إن “الحرية” تحتال على الألفاظ ،أو في أحسن الأحوال تسمي الأمور بغير أسمائها ، إذاً ما هي العلاقة بين “العمليات الخارجية” وبين “الإرهاب الفردي”:
• إن “الإرهاب الفردي” كلمة تستخدم لوصف القمع الذي يستهدف تكريس وضع استغلالي أو احتلالي ، والفرق بين “الإرهاب” وبين “العمل الثوري” هو ذاته الفرق بين العنف الذي يستعبد والعنف الذي يحرر ، العنف الذي يخدم قضية عادلة والعنف الذي يخدم قضية عادلة والعنف القمعي لمنع انتصار قضية عادلة ، وإنه لشيء مخجل حقاً أن يصل ضيق الأفق والمنطق العصبوي حدا يدفع “ثائرا ً” لأن يسمي العنف الثوري إرهاباً !
• أما الفردية فإنها ، علمياً ، تعني قيام فرد بعمل يستهدف مصلحة فردية ، أو قيام مجموعة من الأفراد بعمل ضد فرد لكونه فرداً من خلال الاعتقاد بأن تصفية ذلك الفرد يصفي ما يمثله طبقياً ، وبهذا المعنى فإن “الفردية” اصطلاح مضاد للإستراتيجية ، ولجماعية القرار ولشمول المعركة ، أما إذا نفذ فرد أوامر تنظيم جماعي من خلال مبادئ إستراتيجية عن طريق ضرب هدف للعدو هو جزء من أهداف أخرى،فإن هذا العمل لا يمكن أن يكون فردياً ، ولو كان لتوجب أن تختصر الثورات من تاريخها أكثر من نصفه ، ولتوجب أن نعتبر الثوار الفيتناميين السبعة الذين هاجموا السفارة الأميركية في سايغون ضحايا “تصرفات فردية” ، وكذلك “آلفرد” الذي قالت الجبهة الديمقراطية في أحد بياناتها أنه قتل داخل سجن نابلس“فردا” آخرا كان يتجسس في السجن لحساب العدو!
• الآن،إذا جمعنا كلمة “الإرهاب” إلى كلمة “الفردية” – وفق معانيها العلمية- فهل هي يا ترى ذاتها“العمليات الخارجية”؟ إننا متفقون تماماً مع المنطق البديهي الذي سجلته “الحرية” باحتفال كبير عن إدانة “الإرهاب الفردي” وشجبه وعدم جدواه ، إلا أن ما تستوجب إدانته هو ما ذهبت إليه “الحرية” دون أي أساس علمي وموضوعي ولا عقلي،إلى وصف العمليات الخارجية “بالإرهاب الفردي”
 الاستشهاد المضلل بلينين
والأخطر من ذلك هو أنه بعد أن مررت “الحرية” استخدامها الخاطئ لمعنى كلمة إرهاب ، ومعنى كلمة فردي ، ومعناهما معاً ، كرست مقالها لإدانة “الإرهاب الفردي” وهي تقصد “العمل الخارجي”، واستخدمت مقتطفات من “لينين” تدين الإرهاب الفردي مع العلم بأن لينين كان يقصد الإرهاب الفردي بمعناه العلمي وليس بمعناه المزور !
لقد أدان لينين “الفردية” مقابل“الانضباط التنظيمي” ، وأدانها كعمليات “عفوية” مقابل“العنف الثوري المخطط” ، وحين تحدث عن “الإرهاب الفردي” كان يدين مبدأ الاغتيال السياسي للأفراد بديلاً عن مقاتلة العدو الطبقي أو الاستعماري.
ومن الواضح أن هذا كله شيء ، وأن “العمليات الخارجية” شيء آخر تماماً !.
 المثال الفيتنامي ودروسه
إن جزءاً كبير من مقال“الحرية” يلقي علينا عظة مطولة عن المبادئ التي يعتمدها الثوار الفيتناميون في نشاطهم الثوري ، وهذه العظة ترمي إلى تكريس“معادلة ساذجة” : إن ما لم يفعله ثوار فيتنام خطأ ، والواقع أن هذا بالضبط هو “الإرهاب” بمعناه الأيديولوجي !
إن هذه المعادلة تفترض أيضاً أن ما يفعله الثوار الفيتناميون هو قانون وعلى هذا الأساس فالمطلوب إذن من الثورة الفلسطينية أن تستخدم “القصب” بالاتساع الذي يعتمده ثوار فيتنام ! وهذا المثال ليس ساذجاً كما يبدو للوهلة الأولى لأننا لو اعتمدنا منطق “الحرية” لألزمنا أنفسنا بكثير من الأمور ، ولكان علينا التخلي عن كثير من الأمور ، ( مثل قصف القوات الاسرائيلية بالمورتر من الغور الشمالي في الأردن!) .
على أن المدهش هو أن “الحرية” في الوقت الذي تستشهد فيه بالمثل الفيتنامي تتجاهل – على سبيل المثال- أن تشي غيفارا دافع بحرارة عن “أفراد” يخطفون الطائرات الأميركية من قلب الولايات المتحدة إلى كوبا ، وقد فعل ذلك على منبر الأمم المتحدة .
إن ما تفعله “الحرية” هو بالضبط ما حذر منه ماوتسي تونغ حين أدان أؤلئك “الذين يبرون أقدامهم كي تلائم الجذاء !” وإلا ما معنى هذا القول : “إن مثال فيتنام واضح جداً ، فقد كان بمقدور الحركة الثورية الفيتنامية أن تلاحق المصالح الأميركية خارج حدود فيتنام ولكنها رفضت هذا النهج منذ البداية”. لأن الشعب الفيتنامي لم يطرد “خارج” حدود بلاده ، ولأن الكيان الذي في سايغون وسكانه لم يؤت بهم من “الخارج” ، ولأن الامبريالية الأميركية ليست الحركة الصهيونية ، ومع ذلك فإنه من العجيب أن لا تسمي“الحرية” نشاط ثوار فيتنام في لاوس ضد العدو الأميركي “عملاً خارجياً” .
في يوم ما أعلن “برتراند راسيل” إنه لا يستطيع أن يرى أي خطأ في السلوك الثوري لو قام ثوار فيتنام في نسف منازل سكنية في سان فرانسيسكو ، وذهب المؤرخ ، “ارنولد توينبي” إلى حد برر فيه مقتل أفراد من طرف ثالث في العمليات الخارجية ، وعلى صعيد بعيد عن النظرة الفلسفية والإنسانية “لراسل” والنظرة التاريخية “لتوينبي” ، فإن الثوار الجزائريين شنوا جزءاً كبيراً من هجماتهم في باريس نفسها .
وإذا كان لا بد من التشبه بالثورة الفيتنامية فإن درسها الأول هو تحريضها الفعلي والواقعي على اعتناق مبدأ التكيف مع الظروف الموضوعية للمعركة ولمعطياتها ولطبيعة العدو وأدواته ، فإذا كان جحيم اسرائيل الحقيقي محدوداً بإطارها الجغرافي فهذه مسألة تستحق البحث ، أما إذا كان ثمة إقرار بالكيان الإسرائيلي هو جزء من حجم الحركة الصهيونية وامتداداتها فإن ضرب طائرة للعال هو ــ على وجه التحدي والدقة ــ ضرب لهدف عسكري واستراتيجي ومعنوي ثمين ، بصرف النظر عن “المكان” .
لنعد قليلاً ــ من خلال المثال الفيتنامي ــ إلى ما تسميه “الحرية” “صرف النزعة الثورية الكامنة في مجرى العمل الإرهابي (!) وإثارة نزعة البطولة الفردية ... والنظر بإعجاب شديد إلى الفدائيين”... إن أكثر مطبوعات حركة التحرير الوطني الفيتنامي شهرة هو “كارت بوستال” يصور “الفرد” , “نيغوين فان تروي” لحظة إعدامه ، أهو إثارة لنزعة البطولة الفردية ؟ أم تراه مثال ونموذج للتحريض الثوري ؟ .
 العمليات الخارجية والنشاط الثوري
على أنه بالإضافة لهذه “الاحتيالية اللفظية” تحاول “الحرية” أن توحي بأن “العمليات الخارجية” (وفق المفهوم الذي أصرت على إلصاقه بها زورا) تشكل مجموع نشاط وكل استراتيجية النشاط الذي تقوم به التنظيمات التي تعتمده كمبدأ .
وهذا تضليل صفيق , فالعمليات الخارجية ــ في نشاط الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ــ تشكل حوالي ثلاثة بالمئة فقط من مجموع عملياتها المسلحة ، وهي جزء من استراتيجية مرسومة ومقرة ، إن العمليات الجماهيرية اليومية التي تخوضها الجبهة الشعبية على نطاق واسع في غزة مثلاً ، وفي أعماق لم يستطع أكثر المتحدثين عن معارك المواجهة في فلسطين المحتلة حماساً الوصول إليه ، هي أبعد ما يكون عن أية إشارة إلى نشاط “إرهابي فردي” ، وحين تقول “الحرية” : “إن العنف الفردي ( وهي تقصد زوراً العمل الخارجي) لا يؤمن بالمشاركة الجماهيرية التي هي الأٍساس في حرب شعبية” فهي تحاول أن توحي بأن العمل الخارجي ــ في مفهومها الخاطئ له ــ هو الشيء الوحيد .
أما إذا كانت كلمة “فردية” تعني في مفهومها مسألة عددية فحسب ، فإن أية دورية فدائية عاملة الآن هي قبضة أفراد ، عددياً !
إن هذا “التفسير الحسابي” للثورة وللعمل الثوري مناقض لأبسط قواعد المنطق الثوري ، وهو يدل على سطحية مفرطة ليس فقط في فهم معنى كلمة “فردية” ولن أيضاً في فهم معنى الكفاح المسلح !
إن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي مارست وتمارس وستظل تمارس العمل الخارجي كجزء لا يتجزأ من إستراتيجيتها لضرب العدو في أكبر عدد ممكن من أوكاره ، هي تنظيم جماهيري ، يعتمد أيديولوجية ثورية وعلاقات ثورية ويعمل وفق إستراتيجية الحرب الشعبية الطويلة الأمد ، ونشاط الجبهة انبثق واكتسب قوته واتساعه ويتزود بقدرات نموه ووسط الجماهير ، ومن خلال توعيتها وتنظيمها ، إنه في مواقفه النظرية وممارساته النضالية وعلاقاته التنظيمية بعيداً جداً عن “ترك الجماهير فريسة العفوية” ، وأول مبدأ تقتضيه الموضوعية هو الاعتراف بذلك ، وعدم تغطية هذه الحقائق بابتكارات وتضليل أساسها الغرض الخاطئ ، والاقتباس المغرض ، والتسميات المزورة ، وفوق ذلك كله تعميم الجزء على الكل ، والانتقالية الانتهازية ذات الأصول الذراعية .
 عن ضرب المصالح الامبريالية
إن “الحرية” تنتقل من “نقد” العمليات الخارجية (وهو كما رأينا نقد وضع أمامه هدفاً أكثر سهولة بانتقائه عبارة العمل الفردي الإرهابي) إلى نقد مبدأ ضرب المصالح الامبريالية ، فتمارس عملية تنظيرية معقدة ومفتعلة : “المصالح الامبريالية هي مجموع العلاقات الاقتصادية والسياسية التي ترتكز عليها هذه المصالح في الوطن العربي” .
ماذا يعني هذا التنظير الاستعراضي ؟ هل يعني أن ضرب المصالح الامبريالية ( التي هي علاقات ترتكز عليها المصالح الامبريالية! ) هو ــ كما تقول “الحرية” ــ “تزييف لمعنى المعركة ضد المصالح الامبريالية”؟ لننظر كيف تحل “الحرية” هذه المسألة:
“إن مهمة العمل الفدائي في نضاله ضد اسرائيل أن يرتبط ويتعامل نظرياً وسياسياً ونضالياً مع النضال الجماهيري الثوري في كل بلد عربي ... وهذا وحده هو طريق ضرب المصالح الامبريالية”.
ولكن“الحرية” – رغم هذا كله – لم تقل لنا كيف!
إن الرغبة في التنظير هنا تتجاوز الشعور بالحاجة إلى تحديد موقف ، بالطبع أن “الارتباط النظري والسياسي والنضالي مع النضال الجماهيري الثوري في كل بلد عربي” هو شعار ضروري ومصيري ولا يجوز التقليل من أهميته ، ولكن هل هذا شيء يتعارض مع ضرب مصالح الامبريالية ؟ وإذا استهدف هذا “الجماهيري الثوري في كل بلد عربي” ضرب المصالح الامبريالية ضرباً مباشراً ، فهل لأن“العنف الفردي يعتبر هذه المصالح الامبريالية مجرد مصالح مادية فردية”؟ وهل من “المحظور” على العمل الفلسطيني ضرب هذه المصالح الامبريالية ؟ ألا تشكل الامبريالية ــ من خلال مصالحها في الوطن ــ رأس حربة في معسكر العدو ؟
ثم ما معنى كلمة “إن ميدان المعركة ليس المصالح المادية الفردية للامبريالية” ؟ إن كلمة “المصالح ... الفردية للامبريالية” لا يمكن أن تكون واحدة من مفردات عقل ماركسي ، إذ ما هي الامبريالية الفردية والامبريالية غير الفردية ؟ علاقات ؟ ولكن هذه الكلمة ليست تجريداً نظرياً ، إنها مجسدة في مصالح !
لنعد هنا ، هنيهة ، إلى المثال الفيتنامي : على ثوار الفيتنام في معركتهم ، ألا يضربوا المصالح الامبريالية... فأي شيء تراهم يفعلون الآن؟ ولماذا إذن هجماتهم على مستودعات النفط التابعة لشركات أهلية سايغونية ؟ ألا أنها - يا ترى - جزء من الجهد الحربي الأميركي ؟ ماذا إذن عن “شل” التي يملكها روتشيلد (الفرد) والاحتكارات الأميركية التي يسيطر عليها (أفراد) والتي بنت مؤخراً خط أنابيب نفط إيلات ــ عسقلان ؟ وماذا عن الأرامكو؟ وماذا عن غيرها وغيرها ؟
إنه من المؤكد أن ضرب أنبوب نفط تعود ملكيته إلى ما تسميه “الحرية” “الفردية الامبريالية” (!) لا يقضي على الوجود الامبريالي ، ولكنه جزء من المعركة ضد هذه المصالح (أو مجموع العلاقات التي ترتكز عليها هذه المصالح)، وله دور تحريضي وتعبوي وعسكري وسياسي هو جزء لا يتجزأ من الأساليب النضالية الثورية التي تصل ــ كما لا شك يعرف الماركسيون ــ إلى حد قيام العمال بتخريب آلات المصانع التي يعملون فيها (ألا إذا كان تخريب هذه الآلات هو “تثبيت” للعلاقات التي ترتكز عليها هذه الآلات !!! ) .
إننا نتفق مع الأستاذ أحمد بهاء الدين على أن “موضوع العمل الفلسطيني في الخارج لا يجوز أن يترك للمبادرات الفردية وشبه الفردية ولعدم التنسيق” وكذلك نحن متفقون معه على أن“العنف الثوري ليس تعبيراً مجرداً ، إنه ليس العنف الغاضب ، إنه العنف الذي يخدم الثورة وأهدافها” ، ونحن متفقون أيضاً ، مع “الحرية” على أن “الإرهابية الفردية طريق مسدود للحركة الجماهيرية”... وكذلك العقل العصبوي والانتهازي !
 الامبريالية والعمليات الخارجية
“منذ أن قامت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بتسديد ضرباتها الإنذارية للأهداف والمصالح الامبريالية في 29/3/1970 والصحافة البرجوازية العربية مستمرة في تحليل هذه الضربات ، وتوجيه النقد إليها ، وإثارة جو التشكيك من حولها . وهذا أمر طبيعي ناجم عن التسلسل المعقول للأحداث ، وترابط العلل بالمسببات . وفي المقال التالي بعض الأضواء على أسباب وأبعاد هذه الضربات وتوقعات نتائجها”.
لماذا نضرب الأهداف الامبريالية الاميركية ، ولماذا نسدد الطعنة تلو الطعنة لنقاط العدو الامبريالي الحساسة ومراكزه العصبية ؟ هذه هو سؤال الساعة . ولا بد لنا من إجابة الجماهير عليه حتى لا تقع الجماهير في فخ القائلين بأن عملنا يؤدي إلى إثارة القلاقل ، وجر الثورة من مواقعها ضد العدو لزجها في معارك جانبية طائفية ، ولنبدد أوهام الضانين عن خطأ ــ في أفضل الحالات ــ بأن هدفنا من كل ذلك توعية الجماهير وكشف القناع عن أعدائنا الحقيقيين ، كما ظن معين بسيسو عندما كتب في الأهرام (1/4/1970) :
“... فالولايات المتحدة الأميركية هي العدو الأول للشعب الفلسطيني وللثورة العربية ، وهي السند الأول للاحتلال ،وهي الممول الأول والمحرك الأول والمهندس الأول لكل مخططات عدوانه ، وهذه حقيقة قد أصبح يعرفها الأطفال العرب حتى دور الحضانة...”
كلا ! إن هدفنا أكبر من ذلك بكثير ، ولفهم هذا الهدف لا بد من معرفة طبيعته ومنشئه ، والتعمق في وعي العلاقة الجدلية التي تحكم تصرفنا وتوجه خطانا .. إن التناقض الأساسي القائم في المنطقة هو تناقض بين الامبريالية والثورة التي يصر معين بسيسو على فلسطينيتها وتصر الجبهة الشعبية على عروبتها . ولكن الامبريالية الجديدة الذكية التي تضع كل قواها في مجابهة الثورة لا تقف أمامنا بصورة مكشوفة ، ولا تقاتلنا بشكل مباشر ، ولكنها تستخدم في صراعها ضدنا أسلوب القتال “عن طريق شخص ثالث”.
ولا يهمها من يكون هذا الشخص الثالث ، والمهم بالنسبة لها هو أن ينفذ مخططها بدقة ، بعد أن يقبض الثمن الذي يقل عن الثمن الذي تعرف أن عليها أن تدفعه من سمعتها ودمها لو أنها اشتبكت مع الثورة في صراع مكشوف على غرار الصراع الفيتنامي أو الكوري .
بيد أن وجود الشخص الثالث لا ينفي التناقض الأساسي ، ولكنه يخلق تناقضات فرعية هي في جوهرها مظهر من مظاهر استخدام أدوات التناقض الأول . ويبقى هدفنا الأول في الصراع مجابهة العدو الأساسي دون أن تستطيع أدواته وأسلحته الجديدة إخفاء هويته أو جرنا إلى معارك جانبية ثانوية .
إن الرأس الامبريالي مستعد للصراع ضدنا لعرقلة مسيرتنا الثورية إلى أمد طويل ما دام ذلك الصراع لا يكلفه شيئاً , وما دام قادراً على دفع بعض المخدرين بسموم الطائفية أو الإقليمية أو المكاسب الشخصية للوقوف في خنادقه الأولى , خاصة إذا ما أصيبت الثورة بعمى استراتيجي يجعلها عاجزة عن التمييز بين القوة التي يؤدي ضربها إلى شلل العدو شلاً كاملاً والقوة التي لا يؤدي الى ضربها إلا الى إنقاص قوة العدو وفاعليته . ويدفعها لأن لا ترى في المعركة التشتيتية إلا الأدوات , ولا تتنطح إلا لمجابهتها . وسبب قدرة الرأس الامبريالي على الصراع الطويل في مثل هذه الظروف هو أنه منتصر على المدى الاستراتيجي مهما كانت النتائج التكتيكية للمعارك المتعاقبة . فهو يعرف أن انتصار أدواته المحلية على الثورة يعني تحقيق كل ما يصبو إليه , أما انتصار الثورة على الأدوات فهو ربح جزئي له , لأنه انتصار يكلف الثورة خسائر في الوقت والجهود هي بعض ما يود تحقيقه .
لقد كان الإقطاعي والرأسمالي والبرجوازي على مر العصور قادرين على استنفار جزء من الطبقة لضرب الجزء الآخر , دون أن يكفهم ذلك عناء الاشتباك في المعركة ودفع الثمن من دمائهم . وكانوا يمارسون هذا الدور بلا تحفظ ويندفعون فيه إلى أقصى حدود العنف ما دامت الدماء السائلة من الطرفين غريبة عن دمائهم . ولكن ما أن بدأت الطبعة تعي ذلك , وتسدد لهم الضربات حتى أخذوا يفكرون ملياً قبل التورط في أي صراع . وتقوم الامبريالية الأمريكية اليوم بدور الرأسمالي العالمي , وهي تحرك هراوات عملائها بكل أمان لتحطم هذه الهراوات رؤوس الجماهير الثائرة , أو لتتحطم على هذه الرؤوس . وليس هذا مهما ًما دام الرأس الامبريالي سليماً , وما دامت المصالح الأمريكية بعيدة عن كل تهديد . ولكن ما أن تتهدد المصالح نفسها ، وما أن نرى المعارك الجانبية بحجمها الحقيقي فلا نزج ضدها كل قوانا ، وحتى يفهم العدو الرئيسي بأن أسلوبه التشتيتي مكشوف ، وأن سلاحه الطائفي أو الإقليمي مغلول فيقلل من استخدامه ، ويضطر إلى التفكير ملياً قبل تحريك الهراوات المحلية ، وهذا ما ينقص احتمالات الصدام الجانبية بدلاً من أن يزيدها ، ويخدم بذلك مصلحة الثورة على عكس ما يدعون .
وبالإضافة إلى كل هذا تشارك أعمالنا في تعبئة الجماهير ، وخلق المناخ الثوري ... إن معرفة الجماهير لطبيعة العدو وأبعاده وأساليبه ومخططاته أمر أساسي هذه حقيقة نعرفها ولا ننتظر من يؤكدها لنا ولكن المعرفة المجردة تبقى بلا جدوى إذا لم تترجمها الطلائع إلى عمل . وما فائدة معرفة العدو ــ رغم أهميتها ــ إذا بقيت الجماهير سلبية تنظر إلى المصالح الامبريالية وهي تستنزف دمها دون أن تتحرك ؟ وما هو دور الطلائع الثورية إن لم يكن تجسيد الفكرة وتقديم المثل ؟
يقول الإنجيل :“في البدء كانت الكلمة”.ويحتج فاوست على ذلك بقوله:“كلا ! في البدء كان العمل”. وما ضربات الجبهة الشعبية ضد المصالح الامبريالية على أرض الوطن العربي كله سوى ترجمة المعرفة إلى عمل .
ولكن هل ستقف الأمور عند هذا الحد ؟ وهل ستتراجع الامبريالية الأميركية فور تعرض بعض مصالحها للخطر؟ وهل ستتوقف عن تحريك الخيوط بعد الصدمة الأولى مهما بلغ عنفها ؟ وهل يتعذر عليها استخدام خيوط جديدة إذا ما تقطعت الخيوط الأولى ؟ كلا ، إن طبيعة الصراع تحتم استمراره ، وامتناع العدو عن استخدام الاشتباكات الجانبية ( لعدم جدواها) يحتم عليه إيجاد وسيلة أخرى للاشتباك ، والعلاقة الجدلية بين إرادة الخصم وإرادة الثورة قائمة حتى يتم النصر. ولفهم آفاق المستقبل واحتمالاته لا بد لنا من أن نعرف بأن العلاقة الجدلية المتبادلة في حوار الإرادات محكومة بعاملين هما : ميزان القوى وهدف الرهان. وهنا يمكننا أن نتصور كيف سيبحث العدو عن تحالفات وقوى جديدة محلية مع محاولة لتفتيت قوانا بغية قلب ميزان القوى لصالحه . وكيف سنعمل جاهدين لإحباط خططه بضم صفوف الثوريين الساريين ، مع محاولة خلق التناقض داخل القوى الجديدة المحلية التي يجندها ، وستكون المهارة التكتيكية حكماً أساسياً في هذا المجال . ويبقى هدف الرهان في آخر المطاف محور كل حركة . وهدف الرهان بالنسبة للعدو الامبريالي مصالحه التي نضربها أو نهدد بضربها . وهدف الرهان بالنسبة لنا وجودنا الذي تهدده الامبريالية الجديدة بالفناء ، مستخدمة أدواتها الثانوية وأداتها الرئيسة إسرائيل . والمقارنة بين المصالح والبقاء (كهدف رهان) مقارنة لصالحنا ، إذ يبقى القتال دفاعاً عن المكاسب والمصالح أقل شراسة من القتال دفاعاً عن الوجود .
هذه هي آفاق المستقبل أمامنا . وهذا هو المنطق الذي يحكم تصرفنا وينير سبيلنا عندما نقوم بضرب مصالح الامبرياليين الأميركيين . كتكتيك يخدم إستراتيجية محددة . لا استجابة تلقائية لصدمة كهربائية !!! وهو منطق عقلاني لا دخل للأهواء أو العواطف فيه . إنه منطق قطع رأس الأفعى لا ذنبها ، خاصة وأن التناقض قائم مع الرأس ، وأن الذنب لا يتحرك إلا في خدمة الرأس .
 ملاحظات :
• في عددها الصادر يوم 9 كانون الثاني 1969 نشرت “اللوموند” الفرنسية مقالاً للاسرائيلي موشيه ماخوبر(أستاذ جامعي وأحد أبرز العناصر القيادية في منظمة ماتس بن الاسرائيلية) نقتطف منه هذا المقطع التالي :
“إن الهجوم الذي شنته عناصر من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين يوم 26 كانون الاول 1968 على طائرة العال الاسرائيلية في مطار أثينا قد شكل صفعة لإسرائيل ، ليس فقط لأنها سلطت الضوء على هشاشة خطوط مواصلاتها الدولية ولكن أيضاً لأنها عرضت أمام العالم تصميم المقاومة الفلسطينية المزودة بالجرأة والإقدام ... إن الرجال الذين نفذوا الهجوم كانوا يعرفون تماماً ما الذي كان ينتظرهم : السجن الطويل أو ربما الإعدام ، ومهما يكن الحكم الأخير . وعما إذا كان مبرراً عملياً وأخلاقياً ، فإن الرأي العام داخل وخارج اسرائيل لا يستطيع إلا أن يتأثر بمبلغ إصرار وتضحية المقاومة الفلسطينية” .
• ...“وليس من حق”الفيتكونغ“أن يضربوا قلاع العدوان الأميركي فحسب ، وأن يوجهوا ضرباتهم إلى الأسطول الأميركي السابع فقط ، بل أن يضربوا سان فرانسيسكو ونيويورك أيضاً ...” .
برتر أندرسل ,مجلةالهدف , ع17 , 15/11/1970
• ... “وفي القضية الفلسطينية بالذات ، فإن دماء أي ضحية بريئة من ضحايا عمليات الفدائيين الفلسطينيين العرب لا تقع على عاتق الفدائيين المقاتلين فقط ، بل على عاتق مؤسسات العالم ، بل على عاتق العالم أجمع ، لأنه من دون إذعان وخضوع الأجزاء المختلفة في العالم أجمع ، فإن مثل هذه المؤسسات ما كان يمكنها أن تسود ... وعندما لا يكون لضحية الاضطهاد شيء تخسره إلا حياتها ، فإنها تستطيع أن تأخذ حياة أعدائها بشكل جماعي وبثمن مقبول لديها ... إن لدى العرب الفلسطينيين ثأراً مفهوماً ضد الإسرائيليين ، ولكن لديهم شكوى ضدنا نحن جميعاً أيضاً ... إن الفلسطينيين اليوم هم في مزاج التضحية بأرواحهم ، وإذا كان باستطاعتهم أن يهدموا السقف على رؤوس أعدائهم الإسرائيليين ، ثم حطمت الحجارة المتداعية ــ بالصدفة ــ رؤوس بقية الجنس البشري ، فلماذا يتوجب على الفلسطينيين أن يهمهم هذا الأمر ؟ ماذا فعلنا نحن لنستحق أن يأخذوا بعين الاعتبار ؟...هذا هو التهديد الذي يدفع العالم،أخيراً،وبعد هذه الفترة الطويلة،إلى النظر جدياً في المظالم التي لحقت بالشعب العربي الفلسطيني...”
أرنولد توينبي , مجلة لوس أنجلوس تايمز , 30/3/1969
• ...“وعندما قام هذا الحزب أو ذاك بعمليات إرهاب فردية ضد أدوات استعمارية تضطهد الشعب وتتجسس عليه ، فإن لا يرتكب بذلك خطيئة”فاشية“( ومن هذه التهمة لا يفهم كلياً معنى الفاشية وظروفها وجذورها الطبقية في المجتمعات الغريبة ) ، وإنما يكون قد قام بعمل ما ضد الامبريالية... وهو بداية وعي ، ولكنه في كل الأحوال أعلى مثير من وعي”الطبقوية“المصابة بالحكاك الثوري والتي لا تقدم سوى رؤية حولاء للواقع ، ولا شك إن أمثال هؤلاء الذين يطلقون تهمة الفاشية تلك ، لم يفهموا لينين البتة ، هذا إذا كانوا قد قرأوه ، ولو أنهم فعلوا ذلك لأطلعوا على موقف لينين من مسألة”أشكال النضال“عموماً ، ومنها مسألة الإرهاب الفردي ، الذي لم يرفض أي شكل من أشكاله بشكل مطلق ومسبق”.
ياسين الحافظ / تأقلم الماركسية اللينينية , الهدف ,ع 38 , 18/4/1970
إلى أولئك الذين أذنوا لأنفسهم أن يقعوا عن عمد في فخ اللعبة الإسرائيلية ، وتعمدوا أن يستخدموا السقوط الغامض لطائرة سويسرية مدنية مدخلاً للنيل من مبدأ “العمل الخارجي” ، نسجل ها هنا بعض الملاحظات التي ما تزال في الذاكرة القريبة للعالم :
• في تشرين الثاني من عام 1940 اتخذت سلطة الانتداب البريطاني في فلسطين قراراً بإعادة السفينة “باتريا” إلى قبرص ، بعد أن تبين أنها كانت تحمل عدداً غير مشروع من المهاجرين اليهود ، إلا أن السفينة المذكورة انفجرت فجأة في ميناء حيفا قبل إقلاعها عائدة إلى قبرص ، ولقي 250 رجلاً وامرأة وطفلاً من اليهود كانوا على متنها حتفهم غرقاً . يقول وايزمن في كتابه “التجربة والخطأ” ، الصفحة 371 : إن لجنة التحقيق في الحادث شكلها القضاء البريطاني أثبتت أن السفينة أغرقت بواسطة عبوات ناسفة وضعتها في السفينة “جماعة إرهابية يهودية” !!!
• وفي شباط 1942 ، كانت السفينة “ستروما” التي تحمل 769 مهاجراً يهودياً غير شرعي إلى فلسطين تبحر عبر البحر الأسود أغرقها انفجار غامض ، ولم تستطع التحقيقات أبداً أن تكشف عن أولئك الذين قاموا بهذه الجريمة ، إلا أن الكاتب كريستوفر سيكس ، في كتابه “سورفاي أوف بالستاين” (ص 24) علق على هذا الحادث قائلاً :“لقد صممت الوكالة اليهودية على عدم التنازل بوصة واحدة عن المبدأ الأساسي : فتدفق المهاجرين يجب أن يواصل الانصباب في فلسطين ، ويجب ألا يتحول إلى أي مكان آخر ... ومن الأفضل أن يموتوا من أن يضعفوا التصميم الصهيوني” !
• وفي عددها الصادر يوم 8 شباط 1970 نشرت“مجلة النيويورك تايمز” مقالاً مطولاً بقلم “بول جاكوبس” تحدث عن نوع آخر من العمليات الإسرائيلية ، وقال ، حرفياً ، مايلي :
“بعد أن أوقف البوليس السويسري ، ذات مرة ، يوسف بنغال أحد رسميي وزارة التربية الإسرائيلية ، بتهمة تهديد حياة عالم ألماني كان يعمل في تطوير الصواريخ في مصر ، انطلقت أخبار عن قصص مثيرة في الصحف الأوروبية تتحدث عن نشاط الاستخبارات الإسرائيلية : كيف أرسلت طرود ملغومة إلى العلماء الألمان وشوهت بانفجارها مساعديهم ، وكيف خطف ألماني آخر من قبل الإسرائيليين واحتجز بصورة غير شرعية في فيينا ... وكيف أن طائرة خاصة كانت تحمل أناساً مرتبطين ببرامج عسكرية مصرية انفجرت بصورة غامضة وهي في الجو ، وقضى جميع ركابها نحبهم في ذلك الانفجار”!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق