الاثنين، 18 سبتمبر، 2017

 عرفات كما عرفته ....
 
الحلقة الأولى
موقع النهى*
 بقلم مأمون أسعد التميمي

قلت للرئيس لقد طلبوا مني ان أبلغك انهم يريدون أن يعملوا عن حياتك فيلم سينمائي كبير فأرجوا أن توافق على ذلك وتسخر أرشيفك الموثق بالصور والوثائق لأجل هذه الغاية . 
قال لي أبو عمار : أنا لا أحب القضايا الشخصية . 
قلت له : أنت لست شخص ولست مأمون التميمي بل أنت جزء من تاريخ هذه القضية . 
فقال لي : بل أنا مأمون التميمي وأنا شخص ومجرد شخص عادي . 
فقلت له : يا والدي أنا أريد منك أن نرد على المشككين لان التشكيك بك تشكيك بتاريخ ثورة وشعب بشكل كامل . 
فقال لي : دع الأمر لله واترك التاريخ يحكم . 

عرفات كما عرفته : 
لا اريد ان اكتب عن عرفات شيء عادي بين متناول الناس ولااريد ان اكتب عن عرفات شيء غير فيه ،ولقد آثرت ان لا اكتب عن عرفات في حياته حتى لايكون الامر تدليس ،ولكن الكتابة عن عرفات الان لايوجد من يكافؤك عليها بل على العكس قد يستنفر الكثيرون اذا علموا انني سأكتب عن عرفات ،لان عرفات اُكل لحمه من العديد من الذين تباكوا عليه وهو حي، وهو ميت ،ولكني اُطمئن كل الذين سيستنفرون من كتابتي اني لست بصدد ان اكشف حقائق تقيمهم ولاتقعدهم ،ليس خوفاً من احد ولكني تعلمت من عرفات ،ان ليس كل ما يعرف يحكي ،سأكتب عن عرفات الذي عرفته منذ عام 1975 يوم كنت غلام ،شبل في حركة فتح يوم هربت من اهلي ومدرستي لالتحق بالثورة الفلسطينية وليعيدني عرفات الى اهلي والى والدي الذي كانت تربطه مع عرفات علاقة صداقة من قبل تاسيس الثورة الفلسطينية ،على ان اعود بعد ان انهي الثانوية العامة ،وفعلاً التحقت بالثورة الفلسطينية وحركة فتح بعد ان انهيت ذلك لألتحق فوراً بمكتب الرئيس ،بفرع اسمه العمليات (3) في برج ابي حيدر ،واثناء عملي في مكتب الرئيس التحقت في مدرسة الامن في شاتيلا واخذت دورة مكثفة في الامن ،تبعتها دورات عسكرية 
عديدة وانتسبت الى الجامعة اللبنانية في كلية الحقوق في الصنايع ،وكنت كل فترة اذهب لأتعايش مع المقاتلين على خطوط التماس فشاركت مع المقاتلين في مواقعهم التصدي للعديد من الانزالات ، كان اهمها انزال لواء جوالاني على قلعة اشقيف حيث كنت ارابط في منطقة اسمها كفر تبنيت وتبعد عن القلعة 3 كم وهي غير قرية تبنين ،اثناء التحاقي في مكتب العمليات (3) عرفت عرفات عن قرب فعايشته كيف يقود الاجتماعات وكيف يقود غرفة العمليات وكيف ينام وكيف يأكل وكيف يبكي وكيف يبتسم ومتى يغضب ومتى يفرح ،وكيف يصلي وكيف يصوم وكيف يتلازم مع مصحفه اينما حل واينما ارتحل . 
تواصلت علاقتي مع عرفات منذ ذلك التاريخ الى ان وفاه الاجل مسموماً ، وهنا لابد ان انوه ان الانسان حينما يكتب عن التاريخ يحتاج الى شواهد ووثائق ،اما شهودي في الكتابة فهي القيادة الفلسطينية الحالية كلها لانها تعلم اني كنت جزء من المعركة الدائرة حول عرفات في السنوات الاخيرة ،اما الكتابة عن معرفتي بعرفات الثائر المقاتل ساعززها بالصور وهو الشيء الذي تمكنت من تغطيته ،مستشهداً بأشخاص لازالوا على قيد الحياة وبعضهم من القيادة الفلسطينية ، واني هنا اؤكد انه لم يتعرض اي شخص قريب من الرئيس عرفات وعلى علاقة متينة به لمحاولة الابعاد والاقصاء مثلما تعرضت انا وذلك لاني كنت لا اهادن ولا اداهن ولااسكت على مااعرفه واشاهده ،ولكن عرفات تحمل ضغوط هائلة مورست عليه من العديد من القيادات التي حوله لمحاولة اقصائي وابعادي دون فائدة حتى وصل الامر ان ذهب الى عرفات ثلاثة من اعلى القيادات الفلسطينية بعد عرفات وقالوا له لقد تجاوز مأمون التميمي كل الخطوط الحمر فأما نحن بالمجلس المركزي واما هو ولكنهم لم يجدوا عنده اذان صاغية ،لقد كان عرفات يحبني مثل ابنه ان لم يكن اكثر ، وكنت احبه مثل والدي ولا اخاطبه الا بوالدي ، يشهد على ذلك الاخ هاني الحسن ،والاخ ابو الاديب والاخ فاروق القدومي والعديد من القيادات الفلسطينية ،ولقد اخبرني الاخ فاروق القدومي والاخ هاني الحسن ان ابو عمار وصى عليّ في وصيته الاخيرة . 
قال لي الاخ هاني الحسن انه لم يشاهد عرفات يحب شخص مثلما يحبك فهو يضرب فيك المثل دائماً . لقد احببت عرفات لاني عرفته عن قرب وعرفت فيه النقاء والوفاء والذكاء والشجاعة والايثار والتواضع الشديد بحيث انني لم اشاهده في حياتي يصافح طفلاً او امرأةً الا وقبل ايديهم ،عرفت فيه المتدين المحافظ على قراءة القرآن وعلى الصلاة الذي لايفطر في رمضان حتى حينما كان في النزع الاخير ، عرفت فيه الكرم والاحسان والتصدق على المساكين والفقراء ورأيته كيف يرعى عائلات الشهداء وكيف يرعى الايتام وكيف لايرفض طلباً من احد وكيف يمضي جزء كبير من وقته وهو يصرف المساعدات للجميع ،عرفت عرفات قائداً عسكرياً مقداماً لايخاف الموت حتى لو انه ادرك انه سيموت في نفس اللحظة وعرفت عرفات الوحيد بين الزعماء العرب الذي خاض كل معاركه العسكرية دون ان يهزم او يهرب او يستسلم وعرفت عرفات الصامد في معاركه وحصاراته المتتالية وعرفت عرفات السياسي المناور بدون سقف و الداهية لابعد الحدود، عرفت عرفات لايحب ان يفضح احد حتى لو مسك عليه اكبر الفضائح ، عرفته كيف يتمسك بأصدقائه وزملائه والعاملين معه، عرفته كيف يتواضع مع الجميع ،فاذا جاء 
موعد الطعام نادى كل من حوله وحتى المراجعين للمكتب بقصد المساعدة ليتناولوا معه الطعام ، فأن كان بينهم امرأة خصها بالرعاية فيذهب لعندها حتى يضع لها الطعام بنفسه ، وان كان عنده ضيف اشرف على اطعامه بيديه ، اما الذين يجلسون بالقرب من كرسيه فينشغل عرفات بوضع الطعام لهم في صحونهم وهذا الطبع هو دئب عرفات منذ اربعين عام حتى فارق الحياة . 
سأكتب عن عرفات في حلقات متتابعة ولن يكون هناك تسلسل تاريخي في الاحداث التي سأكتبها بل سأكتب الوقائع التي عايشتها مع الرئيس ابو عمار حسب ما هو اهم . 


مأمون اسعد التميمي 
عضو المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية 
عضو المجلس الوطني الفلسطيني 
مقرر اللجنة الدائمة لتقصي الحقائق للمجلس الوطني الفلسطيني 
بإذن الله سأورد لكم هذه الحلقات الحلقة الأولى ( الجزء الأول )عرفات كما عرفتهعرفات وحرب الإشاعات

لقد تعرض ياسر عرفات إلى حرب إشاعات شرسة طوال فترة حياته السياسية التي امتدت إلى حوالي أربعين عاماً حتى وافته المنية ، وكانت تلك الإشاعات منوعة ومتنوعة وبلا حدود أو ضوابط ، واشتركت في حرب الإشاعات ضد ياسر عرفات ، أجهزة استخبارية كبيرة وعديدة وهي بالطبع الأجهزة التابعة لكل الدول التي اصطدم بها عرفات سواء اصطدام سياسي أو اصطدام عسكري وهذا طبيعي بالنسبة للحروب السياسية والعسكرية ، أن تبدأ الأجهزة الاستخبارية التابعة لتلك الدول ، تلقائياً بتنفيذ دورها بتلك المعركة من خلال حرب الإشاعات والتخريب الفكري ،وبما أننا نعرف أن عرفات اصطدم بكل المحيط الذي حوله من أشقاء وأعداء واصطدم بدول ابعد من ذلك بكثير ،فيجب أن نعرف أن حرب الإشاعات التي مورست ضد عرفات ، هي من اكبر وأضخم حروب الإشاعات التي مورست في التاريخ السياسي ، أما لماذا اصطدم عرفات بكل تلك الدول المحيطة ،الشقيقة والعدوة ، فمن الطبيعي أن يصطدم عرفات بها إذا كان عرفات من نهجه المجبول في قراره نفسه أن يكون مستقلاً ومخلصاً وغير خاضع لان يكون تحت عباءة احد من الزعماء أو الدول ،وإذا أضفنا إلى ذلك أن عرفات يصر أن يمارس ماوجد من اجله وهو المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي عندها ندرك أن عرفات لو كان بأخلاق عمر بن الخطاب، لحورب ولقوتل ولشوهت سمعته، وذلك لأسباب عديدة أن المنطقة المقسمة منذ سايكس وبيكو هي منطقة خاضعة للنفوذ الأمريكي الغربي وان كان بتفاوت وهذا النفوذ لايسمح أساسا بقتال إسرائيل بل يسمح دائماً وأبداً بقتال من يقاتل إسرائيل ، لقد كان عرفات محظوظاً إذ جاءت قيادته للثورة الفلسطينية بعد هزيمة الهزائم مع إسرائيل في عام 1967 ، الأمر الذي جعل الدول الشقيقة المحيطة أن تغض الطرف عن نشأة الثورة ، وان لاتخشى في البداية من خطورة التفاعل الشعبي معها وعليه فلقد سمحت تلك الدول وبعضها ساهم في دعم الثورة الفلسطينية من منطلق أن الجيوش المؤللة والمترامية الإطراف لم تفعل أي شيء مع هذا العدو فكيف لثورة محسوبة العتاد أن تخيف احد ، ولكن هذه الثورة بدأت حرب استنزاف مع العدو وبعد عام 1967 من خلال عمليات عسكرية لاتتوقف ولاتنتهي ، وكللت بأول انتصار عربي في مواجهة الجيش الإسرائيلي 23 \3 \1968 في حرب الكرامة بإسناد مدفعي من الفرقة الرابعة بالجيش الأردني بقيادة مشهور حديثه ، هذه المعركة التي كسرت الأسطورة الزائفة التي ساهم في صناعتها الإعلام العربي الرسمي في محاولة تبرير الهزيمة الأخطر في التاريخ العسكري والسياسي العربي ، لقد هزم الجيش الإسرائيلي بعد 9 أشهر من انتصاره الساحق على كل الجبهات العربية ، هذا الانتصار الذي أصاب القيادة العسكرية والسياسية الإسرائيلية بهستيريا الغرور وجنون العظمة إلى الحد الذي استدعى موشي ديان فيه الصحافيين ليعلمهم بتفاصيل المعركة ووعدهم بشرفه العسكري أن يفطر معهم بجبال السلط وان يتناول معهم الغذاء في الجامعة الأردنية في عمان ، إلا أن هذا الجيش حينما واجه معركة حقيقية ، خارج الوصايا والخفايا الدولية هزم أمام حفنه من المقاتلين وبقي هذا دائبة من ذلك التاريخ وحتى الساعة ، لأنه لم يعد لتلك الدولة من انتصارات متفق عليها دولياً بعد 1967.
بعد حرب الكرامة ، بدأت أسطورة الثورة الفلسطينية تحل محل أسطورة الجيش الذي لايقهر فالتحق بالثورة الفلسطينية عشرات الآلاف من الشباب الفلسطيني والآلاف الأخرى من المتطوعين العرب في صفوف الثورة الفلسطينية .
حركة فتح: مؤسس حركة فتح وصاحب فكرة إنشائها وهي العامود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية والوعاء الكبير لكل فصائل الثورة الفلسطينية ، وهنا أريد أن أؤكد أن كل الأقوال التي جاءت من هنا أو هناك بان ياسر عرفات لم يكن المؤسس الأول لحركة فتح ماهي إلا جزء من حرب الإشاعات التي شنت ولازالت حتى بعد وفاته ، فلقد سألت شخصياً كل من انسب إليهم التأسيس الأول فأجمعوا أن ياسر عرفات هو صاحب الفكرة وهو الذي انشأ أول خلية في حركة فتح ، ولكني أريد أن أزيد على ذلك ، أن التأسيس والفكرة والخلية ليسوا هم بالضرورة الأساس بإشعال ثورة واستمراريتها ولكن الأساس باستمرارية الثورة ، القدرة على قيادتها وعلى تمويلها وحل الإشكالات والمشاكل التي تواجهها وستواجهها ، ناهيك عن القدرة الغير عادية على صنع شبكة من العلاقات الدولية والإقليمية ، من اجل تأمين الشرعية لهذه الثورة والقبول المرغم من الأشقاء والذي كان دائماً لايستمر طويلاً وذلك لان الثورة الفلسطينية بمقاتلتها للعدو ، تصبح عبئاً عسكرياً وسياسياً وامنياً على أي دولة من الدول الشقيقة التي وجدت على أرضها أو بجوارها الثورة الفلسطينية ، سواءً كان هذا الوجود بالرضا أو بالإرغام ، لقد تمكن ياسر عرفات بشخصيته ، أن يبني أوسع العلاقات مع معظم دول العالم بما فيها كل الزعامات العربية واستطاع أن يفرض نفسه كزعيم عربي صنوه صنو أي رئيس دولة عربية ، ومن خلال هذه العلاقات استطاع أن يؤمن الدعم اللازم لاستمرار الثورة الفلسطينية ، ولكن أيضا أن هذا الدعم لا يمكن أن يستمر ، بسبب الهيمنة الدولية على معظم الدول العربية ، فقرر عرفات أن يتحول ذلك الدعم إلى تمويل ذاتي من خلال إنشاء المؤسسات الاقتصادية السرية والعلنية من اجل رفد الثورة الفلسطينية مالياً ، ناهيك انه استطاع أن يأخذ من الدول العربية الغنية وخصوصاً دول الخليج أن تفرض على كل فلسطيني ، أن يدفع من راتبه 5% كضريبة للثورة الفلسطينية ، من اجل استمراريتها في مقارعة العدو على كل الجبهات السياسية والعسكرية والأمنية ، فأن كان ذلك الفلسطيني يقدم جزء صغير من راتبه فأن له أشقاء يقدمون دمائهم وأرواحهم في مقارعة العدو الغاصب . 

 عرفات في مواجهة الإشاعات :- 

كما قلت في بداية كلامي فأنه لم يتعرض احد في التاريخ السياسي الحديث لحرب الإشاعات مثلما تعرض له عرفات ، حتى أصبحت تلك الإشاعات جزء من حياة ياسر عرفات الذي لم يكن يكترث لها أو هكذا كان يبدي ، وكانت اخطر تلك الإشاعات على الإطلاق وصف ياسر عرفات بأنه يهودي والتشكيك بأصله وعائلته ، ناهيك عن الإشاعات بأنه يسير في مخطط من اجل قتل الشعب الفلسطيني وعمل المجازر فيه ،وان عرفات ماهو إلا عميل صغير ، بل انه لم تبقى أي مصيبة أو اغتيال حدث داخل الثورة الفلسطينية للقيادات الفلسطينية إلا ونسب لعرفات حتى الاغتيالات التي كانت تنفذها إسرائيل وتعلن عنها كانت تلك الإشاعات تنسبها لعرفات ، وحتى نرد على تلك الإشاعات رداً علمياً فأننا نقول مايلي :- 
أن إسرائيل حينما قامت واحتلت فلسطين عام 1948 ، واجهت استقرار امني داخل فلسطين وواجهت استقرار عسكري على حدودها وواجهت ضعف سياسي في مواجهتها في المحافل الدولية ، فكانت هذه العوامل هي الكفيلة أن تقنع اليهود بالعالم أن يذهبوا إلى فلسطين ويستقروا فيها ويصبحوا جنود في دولتها ويؤمنوا على حياتهم ومستقبلهم فيها ، وهكذا فأن دولة إسرائيل كدولة قائمة على المستجلبين من أصقاع المعمورة ، والذين يجمعهم الدين اليهودي وتفرقهم العادات والتقاليد وطرق العيش والحياة ، فأن هذه الدولة أو هذا الكيان يحتاج إلى استقرار امني دائم في داخله ويحتاج إلى استقرار عسكري دائم على حدوده ويحتاج إلى استقرار اقتصادي دائم ، يجعل من تلك الدولة تغنى وتتطور وتشجع المستثمرين اليهود الأغنياء من اجل القدوم إليها . 
ولما تأمن كل هذا الاستقرار بعد هزيمة عام 1948 استطاعت الحركة الصهيونية أن تقنع مئات الآلاف من اليهود أن يأتوا إلى فلسطين لترسيخ تلك الدولة وتمتينها ، ولكن لو سمع ذلك اليهودي القادم إلى فلسطين أو رأي أو تأكد بأنه سيأتي إلى دولة ، لن يستقر فيها امنياً بحيث انه إذا غادر بيته سيكون معرضاً للقتل أو أن تكون الحافلة التي يركبها معرضة للتفجير ،وان تكون زوجته وأولاده إذا دخلوا سوق أو مطعم أو ملهى عرضه لعملية عسكرية أو تفجير أياً كان نوع هذا التفجير ، وإذا أيقن ذلك اليهودي أيضا ، انه سيأتي إلى دولة هي أشبه بمعسكر الجيش في حالة استنفار دائم لاينتهي وانه بعد أن يخدم الخدمة الإلزامية يبقى في حالة استنفار وطوارئ ،وأيضاً إذا أدرك هذا اليهودي انه سيأتي إلى دولة سيعاني فيها من ضيق اقتصادي وانه لايستطيع إلا أن يكون موظف ،لان صناعته وتجارته وسياحته سوف تكون دائماً عرضة للانهيار بسبب الأحداث الساخنة من مقاومة بشتى الوسائل العسكرية وخاصةً تلك التي يسيل فيها الدم ويتفرق فيها اللحم ، بشكل يخلع القلوب من الصدور ، وإذا أضفنا إلى كل ذلك أن هذا اليهودي يصبح ويمسي في نشرات الإخبار وهو يسمع أن دولته أشبه بلص أو نصاب ملاحق في كل المحافل من قبل الذين سرقهم أو نصب عليهم ، فأن هذا اليهودي حتماً سيعيد حساباته ويولي الأدبار هارباً من ذلك المكان لايلوي على شيء ، من هنا ندرك أن عدم وجود ثورة فلسطينية بعد عام 1948 صنع لتلك الدولة الاستقرار المنشود بالنسبة لها مما مكنها من جلب الشرائح الاجتماعية اللازمة لتثبت ذلك الكيان ، ولكن ذلك الكيان ، الذي أصابه الغرور وجنون العظمة بانتصاراته الساحقة السريعة، والتي لها خفايا كبيرة لم يأتي الوقت لكشفها بعد أن أصابه الوهن والضعف والانحسار لما حاصرته الثورة الفلسطينية منذ احتلاله للضفة الغربية عام 1967 ،واستمرت بمنع الاستقرار الأمني والعسكري والسياسي والاقتصادي عنه حتى وصلت تلك الثورة إلى مرحلة الدخول إلى ارض الوطن مرغمة هذا العدو على القبول بذلك لتنتقل المعركة إلى داخل فلسطين ، ولتأخذ أبعاد كبير وخطيرة بالنسبة لهذا الكيان . 
وكان من انجازات ،الثورة الفلسطينية على صعيد منع الاستقرار عن دولة إسرائيل أن هذه الدولة أصبحت تدق نواقيس الخطر على وجودها نتيجة أن الهجرة العكسية أصبحت اكبر من الهجرة الوافدة إلى فلسطين بمئات المرات وما كانت هذه الهجرة العكسية لتكون لولا تراكمات الأعمال التي قامت بها الثورة الفلسطينية ، والتي أفشلت بنجاح كبير المخطط الصهيوني الذي كان يعمل بالليل والنهار وضمن إمكانيات مالية وفنية مهولة على جلب كل يهود العالم إلى فلسطين أي يعني جلب أكثر من عشرين مليون يهودي في العالم يمتلكون اغني واكبر الثروات الاقتصادية في الكرة الأرضية ، ولو تم هذا الأمر بأن جاء هؤلاء اليهود الذين يمتلكون الترليونات إلى فلسطين لاستطاعوا أن يقيموا دولة اقتصادية تجارية وصناعية وعسكرية ، اكبر بعشرات المرات مما نرى في فلسطين ،ولما نعرف أن الأسباب التي حاصرت هذا الكيان وجعلته أسير المساعدات الأمريكية السنوية بشكل كامل وأسيرا للإسناد الأمريكي السياسي والعسكري ،بحيث انه أصبح عبئاً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وامنياً على أمريكا ، أن هذه الأسباب الوحيدة هي الثورة الفلسطينية والمقاومة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية ،وقائدها ياسر عرفات ولو كان قائد هذه الثورة عميل أو يهودي كما كانت الإشاعات تقول لعمل قائد هذه الثورة على إنهائها وتجفيف مواردها وليس على توسيع تلك الثورة وتمتين علاقاتها المحلية والدولية ورفدها بالمال والسلاح والعتاد واللوازم من اجل الاستمرار . 
ولقائل أن يقول وهل عرفات هو الذي اوجد كل ذلك ، وان ذلك الكلام هو عبارة عن شخصنة الثورة باسم عرفات ، وللرد على ذلك التساؤل أقول ، أن القيادات التاريخية هي التي تصنع التاريخ وتوجهه، وما أدل على ذلك فإذا تجاوزنا الرسول (ص) بصفته لاينطبق عليه التمثيل بين القيادات التاريخية العادية وذلك لأنه مرعيٌ من رب العالمين ، فأن نبوخذ نصر كان رجل وقائد وصانع تاريخ وان حنا بعل كان رجل وقائد وصانع تاريخ ، وان هولاكو كان رجل وقائد وصانع تاريخ وان صلاح الدين كان رجلاً وقائداً وصانع تاريخ وان قطز والظاهر بيبرس كانا رجلين وقائدين وصانعي تاريخ وان هتلر لو لم يكن ما كانت الحرب العالمية الثانية ، وان صدام حسين لو لم يكن ما كانت كل تلك الحروب والأحداث والأعاصير السياسية لتحدث ، وهنا اطرح على كل من يقرأ كلامي هذا أن يتصور أن قائد الثورة الفلسطينية هو ليس ياسر عرفات وليس بعقيلة ياسر عرفات ، ولو كان ذلك فأن هذا القائد سيجمد أمام الأحداث العظام التي ستعيقه عن الحركة وستتجفف موارده وموارد ثورته وسرعان ماستنتهي ، أما الذي يعتقد أن الأحداث هي التي فرضت الثورة وفرضت على العرب أن يدعموها ويسمحوا بتسليحها فأني أجيب كل من يعتقد ذلك هل هناك أعظم من الأحداث التي حصلت باحتلال فلسطين عام 1948 ، والتي هجر فيها الشعب الفلسطيني بمئات الألوف من دياره إلى مخيمات في الأردن ولبنان وسوريا دون أن تحدث أي ردة فعل أو أي ثورة ، والسبب في ذلك ليس أن الشعب متقاعس بل أن الشعب كان يفتقر إلى قائد يفجر طاقاته ويصنع منه ثورة ، وكذلك حينما عاد ياسر عرفات بأعظم مناورة سياسية في التاريخ إلى داخل الوطن لم يكن قبل دخوله إلى فلسطين أي سلاح معتبر و قد تكون البنادق الموجودة في فلسطين لاتتجاوز العشرات بأي حال من الأحوال في ذلك الوقت لكنها بعد دخوله إلى فلسطين بدأت تظهر شيئاً فشيئاً حتى أصبحت بعشرات الآلاف من البنادق ، وهنا سؤال لابد أن يطرح نفسه ، إذا كان ياسر عرفات قد ادخل هذه الآلاف من البنادق من أين أتت الفصائل الفلسطينية مثل حماس والجهاد بهذه الأسلحة الكثيرة أيضا وللإجابة على هذه الأسئلة لابد من أن نرجع قليلاً للوراء ، حينما قرر ياسر عرفات ضبط الشارع الفلسطيني من اجل إسقاط حجة إسرائيل وهي ضبط حماس والجهاد الإسلامي الذين يثيرون الفوضى وفوضى السلاح ، قام ياسر عرفات بإعطاء الأوامر لاعتقال كوادر وأعضاء تلك الفصائل بالمئات دون أي ردة فعل منهم تذكر بل أن بعض قادة وأعضاء الأجهزة الأمنية والتي لا تخفى ارتباطاتهم بإسرائيل على احد تجاوزوا الحدود بتعذيب كوادر حماس والجهاد . فلماذا لم تدافع هذه الفصائل عن نفسها في ذلك الوقت والجواب هنا واضح ، أن تلك الفصائل حتى ذلك الوقت لم تكن تمتلك الأسلحة لمواجهة السلطة وعليه فإنها لاتستطيع أن تواجه السلطة بأيدي عارية ، من هنا ندرك أهمية القائد في الأحداث التاريخية وصناعتها ، وحتى نثبت كل كلمة نقولها فلابد من البراهين على ذلك ، وأنا اقصد أهمية عرفات كصانع للتاريخ الفلسطيني الحديث ، ولذلك لابد أن نعود إلى الوراء قليلاً ،بعد حرب الكرامة عام 1968 وانتشار الثورة الفلسطينية وازدياد عملياتها وشعور الأردن بثقل أعبائها من جميع النواحي بدأت المؤامرات على هذه الثورة من كل الاتجاهات الداخلية والخارجية وبدأ الهجوم على شخص ياسر عرفات كشخص ، وبدأت الإشاعات تقول عنه انه عقبه في وجه التحرير وان الخلاص منه سيمهد لتحرير فلسطين ، وانتشرت الإشاعات من بعض الفصائل فلسطينية ، وجاءت أحداث أيلول وخرج ياسر عرفات إلى لبنان بعد اتفاقية القاهرة ، خرج هو 140 شخص فقط تبعهم سعد صايل الذي تمرد هو ولوائه ولكن الثورة الفلسطينية بكل فصائلها كانت موجودة على الساحة الأردنية والمفروض أنها تستمر بالمعركة وتحقق الانتصار الذي كان يعيقه ياسر عرفات إلا أن المفاجأة التي حصلت ولازالت حتى اليوم انه لم يستطيع أي شخص من مجموع آلاف الفدائيين الذين بقوا في الأردن بعد مغادرة عرفات إلى لبنان وبعد أن اجبره مؤتمر القمة الذي انعقد في القاهرة على ذلك ، لم يستطيع ولاواحد فيهم أن ينفذ عملية واحدة من نهر الأردن ، ولم يستطع ولافصيل البقاء في الأردن كتنظيم عسكري بعد عرفات، وذلك لان عرفات بشخصه وشخصيته هو الذي كان يؤمن كل شيء لأكثر الفصائل من سلاح ومال وعتاد وشرعيه ، دخل عرفات إلى لبنان حسب اتفاقية القاهرة وكان الوجود الفلسطيني في المخيمات الفلسطينية في لبنان وجوداً راكد عسكرياً وسياسياً بالرغم من نماء حركة فتح وبعض الفصائل الفلسطينية فيه كتنظيم سياسي غير مسلح إلى ذلك الحين وكان معروف اضطهاد الدرك اللبناني للشباب الفلسطيني في المخيمات بحيث انه كان يتعامل مع هؤلاء الشباب اللاجئين بلا رحمة وبقساوة مبالغ فيها . 
حتى حل ياسر عرفات برجاله وحسب الاتفاقية أن يتواجد في ثلاث مخيمات فلسطينية في بيروت وليس في الجنوب ،وهذه المخيمات هي مخيم صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة على أن لايخرج 140 فدائي بسلاحهم خارج المخيمات ،ولكن سرعان ماتأتي الأحداث وتنفجر على مصراعيها فيقرر الجيش اللبناني إنهاء الوضع العسكري الذي أوجده ياسر عرفات داخل تلك المخيمات إلا أن المفاجئة أن هذا الجيش هزم أمام المقاتلين الفلسطينيين هزيمة سهلة ، الأمر الذي مكن ياسر عرفات على الانتشار السريع من بيروت إلى الجنوب والشمال اللبناني ، واستطاع ياسر عرفات بدهائه وذكائه أن يجعل الأحزاب اللبنانية اليسارية والقومية والناصرية تواليه ولاءً مطلقاً من خلال دعم تلك الأحزاب وتسليحها وتدريبها حتى تعطيه الغطاء الشرعي اللازم وحتى يستطيع أن يدافع عن الثورة الفلسطينية بجسم لبناني كبير ، وفي المقابل عملت إسرائيل على تحريك بقية الجسم اللبناني وخصوصاً الموارنة الذين عصوا على احتوائهم من قبل ياسر عرفات وقبلوا أن يكونوا في مواجهة ياسر عرفات ، ولهذا تطلع ياسر عرفات بعد المعارك الدامية التي واجهته في الدول المحيطة بفلسطين إلى حلم الدخول إلى الوطن حتى لا يأتي أهل الأرض ويطلبون منه الخروج لذلك امضي ياسر عرفات بعد دخوله ورجاله إلى ارض الوطن في مرحلتين المرحلة الأولى بناء الدولة الموعودة والمرحلة الثانية هي مرحلة المقاومة والتي جاءت بعد أن أدرك ياسر عرفات إن إسرائيل لاتريد سلاماً حقيقياً ولاتريد إن تنفذ أي شيء من الاتفاقات الموقعة وان كل ماتفعله هو مناورات سياسية مع الفلسطينيين بعدها قرر ياسر عرفات إن يتحول إلى المقاومة وهنا سؤال يطرح نفسه من الذي كان ينفذ العمليات العسكرية ومن الذي سمح لفلان وفلان إن يكونوا قادة أمنيين وسياسيين ولكني أؤكد للقارئ بأني لن اترك أي شيء يتساءل عنه أي شخص إلا وسأجيبه عليه وسأغطيه له ، ولكن قبل إن أصل إلى تلك الأجوبة لابد من جواب ملح يلخص أسئلة عديدة ، وهو إن ياسر عرفات حينما دخل إلى فلسطين لم يدخل دخول الفاتحين ولكن دخل ضمن اتفاقيات كان يرى فيها ياسر عرفات أنها انجح مناورة سياسية لتحقيق حلم بتحويل الثورة إلى داخل الوطن بدلاً من إن تكون تحت رحمة الأشقاء الذين يشعرون بعبئها ويطالبون بإنهائها وإخراجها من أراضيهم ، وعليه فأن ياسر عرفات اضطر إن يتنازل كثيراً حتى لايخرب حلم الدخول إلى ارض الوطن وكان من ضمن هذه التنازلات إن قبل مافرضته إسرائيل عليه ببعض الأشخاص الذي كانت إسرائيل تعتبرهم ضمانة أمنية لها بالسلطة الفلسطينية وان هؤلاء الأشخاص ممنوع تنحيتهم بكفالة أمريكية . وهكذا فلقد عمل هؤلاء الأشخاص على نشر الفساد في صفوف السلطة الفلسطينية وكان ياسر عرفات يتعامل مع هؤلاء الأشخاص بحذر ويخفي عنهم كل شيء ويعطيهم المعلومات المظللة لأنه يعرف أنهم أعين للاحتلال وأيدي له ، 
وكان ياسر عرفات يسميهم الجزم التي سيعبر عليها الوحل ، إلا إن هذه الجزم كانت في نهاية المطاف في مواجهته علناً بعد إن حوصر وفقد السيطرة بشكل كبير . ولنا عودة على كل هذه المواضيع ولكني سأبدأ كتابي بعرفات كما عرفته . 
من آخر لقاء لي مع الرئيس الشهيد ياسر عرفات لأعود بعدها إلى الوراء دون إن يكون لسرد التاريخ لتسلسل الزمني . 
الجزء الثاني من الحلقة الأولى 

اللقاء الأخير بيني وبين عرفات :- 
المجلس المركزي الفلسطيني ورئاسة الوزراء .
في أواخر عهد الرئيس الأمريكي بل كلينتون كان واضح أن الرئيس الأمريكي كلينتون قد خطط لان يورط ياسر عرفات بالتوقيع على اتفاقية سلام مع باراك في كامب ديفد يوهم فيها كلينتون ياسر عرفات بان باراك سيتنازل له عن 90% من الضفة الغربية ، ولما قرأ ياسر عرفات الاتفاقية أدرك انه أمام خديعة كبرى ، فالتسعين بالمائة سرعان ما تتحول إلى 45% من ارض الضفة الغربية وذلك بعد إبقاء الثلاث كتل الاستيطانية التي تمتد إلى كل مستوطنات الضفة الغربية ، أما القدس فتبقى تحت السيادة الإسرائيلية على أن يعطي المسلمون فيها ممر إلى المسجد الأقصى ويكون للممر ساحة في البلدة القديمة تنتهي عند حارة النصرى ولا يكون للمسلمين السيادة على المسجد الأقصى إلى من فوق أما من الأسفل فالسيطرة والسيادة لليهود ، وكذلك لايوجد في هذه الاتفاقية أي عودة للاجئين ولكن فيها مبدأ التعويض من قبل الدول العربية والتوطين ، كذلك لايوجد في هذه الدولة أي سيادة على الجو أو الحدود ولما رفض الرئيس ياسر عرفات هذه الاتفاقية ،وسأعود في كتابي للتفصيل لكل ماجرى في كامب ديفد ولما رفض ذلك قررت أمريكا إنهائه ولقد قال له كلينتون : تأكد ياياسر عرفات إنني آخر زعيم أمريكي يقابلك وستعود ليأتيك شارون وزير دفاع في حكومة وحدة وطنية ليدمر لك سلطتك وليخرج لك نصف مليون فلسطيني ستنسى كل المشاكل الأخرى وستناضل أنت ومن يأتي خلفك من اجل إعادتهم إلى الضفة وغزة . 
وبعد أن صمد ياسر عرفات في كامب ديفد ولم يخضع لكل الضغوط والابتزازات وفي اللقاء الأخير بينه وبين كلينتون ، قال له كلينتون لقد فوجئت بك فالتقارير التي عندي عكس مارأيته فيك 
فلقد قال لي من حولك إن أقسى طموحك الصلاة في المسجد الأقصى ، ولكني وجدت فيك قائد مخلصاً لشعبه وقضيته إلا أني أرجو منك ألا تتحدث بالفشل وان تعين أبو مازن رئيساً للوزراء ، فأجابه الرئيس عرفات بصير خير ، وبعد أن عاد عرفات من أمريكا وبعد أن اشتعلت انتفاضة الأقصى وبعد أن حوصر ياسر عرفات ودمر عليه مقره ، وبعد أن تعرض لشتى أنواع الضغوط وخصوصاً من المصريين إلا أن الضغوط التي أنهت كل خياراته هي ضغوط المؤسسات الفلسطينية التي أجبرته على قبول مبدأ إنشاء رئاسة الوزراء فلقد أعطى المجلس التشريعي بالإجماع الموافقة على إنشاء رئاسة للوزراء وتبعة المجلس الثوري لحركة فتح وكذلك تبعته اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ولم يتبقى إلا المجلس المركزي للمنظمة ، بعد ذلك اسقط بيد ياسر عرفات ووافق مكرها على ذلك . ولم يكن اعتراض ياسر عرفات على مبدأ إنشاء رئاسة الوزراء من باب انه لايريد أن يتنازل عن صلاحيته ولكنه كان يجد فيها كنوع من القيادة البديلة التي ستنهي وجوده بأقرب وقت وعليه فإنه كان يدافع عن نفسه وتاريخه خوفاً من أن تكون رئاسة الوزراء كمشروع هين و لين لما يملى عليها من أمريكا وإسرائيل . 
وبعد أن أرغم ياسر عرفات على الموافقة على ذلك وجهت الدعوات من قبل المجلس الوطني لعقد المجلس المركزي الفلسطيني في رام الله بمقر الرئيس ياسر عرفات ، ووصلتني دعوتي وأبلغت أن هناك ضمانات أمريكية بعدم التعرض لأحد من قبل إسرائيل أثناء الدخول إلى رام الله ونزلت مع زملائي أعضاء المجلس المركزي المقيميين في عمان وعددهم الرسمي 12 ولكنهم في الحقيقة ثمانية ومعهم بعض المراقبين من أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني وصلنا إلى الجسر ولم تتعرض إسرائيل لأي واحد فينا ووجدنا كل التسهيلات ووجدنا سيارات من الرئاسة تنتظرنا خارج الجسر لتنقلنا إلى فندق جراند بارك في رام الله ، وصلت الفندق وبعد أن استرحنا وتناولنا الغذاء وكانت الدنيا في فصل الشتاء من عام 2003 وفي المساء قررت أن اذهب لأسلم على الرئيس ، فأنا بشوق كبير له وذلك لأني لم أشاهده منذ فترة ليست قليلة ولكني لم انقطع عن التواصل معه بالرسائل وبالمكالمات الهاتفية ، ولما هممت بالخروج من الفندق شاهدني د .مصطفى ملحم والأخ يونس فريجات وهم أعضاء في المجلس الوطني الفلسطيني ومراقبين في المجلس المركزي ولقد حضروا معي من الأردن فسألوني أين أنا ذاهب فقلت لهم عند الرئيس فقالوا لي خذنا معك وهكذا أخذتهم معي لعند الرئيس ، أنزلتنا السيارة خارج مقر الرئيس وشاهدنا حجم الدمار الهائل الذي يحيط بمقر الرئيس بل أن هذا الدمار أتى على أكثر من نصف مكتب الرئيس عرفات ، صعدنا السلالم القليلة ومن وسط أكياس الرمل التي على مدخل مقر الرئيس ليقول لنا سكرتير الرئيس أن تنتظر قليلاً فعند الرئيس ضيوف ، انتظرنا بعض الوقت في غرفة صغيرة خصصت للانتظار ولكنها تستعمل أيضا للسكرتاريا وذلك بسبب أن المكان أصبح ضيق وبعد ذلك دخلنا على الرئيس وبعد عناق وتقبيل جلس الاثنان د. مصطفى ملحم ويونس فريجات ولايريدون أن يخرجوا من عند الرئيس وأنا اهمس في أذانهم أن يتركونا لوحدنا ولكن دون فائدة ، ثم طلبت من الرئيس أن يخرجهم إلا أن الرئيس المعروف بخجله وتهذبه مع ضيوفه مهما كانوا لم يبدي تجاوباً مع ما طرحته عليه ، وفي النهاية قررت أن أبادر للخروج من مكتب الرئيس لأجبرهم أن يخرجوا معي ، فقالوا للرئيس سنتركك لأنك مشغول ( الله يعطيك العافية ) وخرجت وأنا اعتقد أنهم خلفي إلا أنني بعد أن خرجت نظرت فلم أشاهد أي واحد منهم خلفي واضطررت أن أعود إلى غرفة الانتظار حتى يغادروا وصبرت حتى غادروا ثم عدت للرئيس فعانقني من جديد وهنا لابد من أن أتوقف قليلاً في وصف حالة الرئيس ، فلقد وجدت الرئيس ولأول مرة في حياتي مهزوماً نفسياً إلى ابعد الحدود بحيث انه لم يتجاوب معي في رفع معنوياته في البداية فلا كلامي ولا شعري غيروا من الأمر شيء ، بل الأدهى من ذلك حينما قلت له يا والدي غداً يوم حاسم فنظر إلي والمرارة تقطر من وجهه وصمت قليلاً ثم قال ( ياخويا ....ايه ) ثم أردف قائلاً لقد تم حسمه مش أمريكا عايزة كده ، فقلت له ولكن لم اعهد فيك انك تستسلم يا والدي .
فقال لي جزء من بيت شعر : 
وظلم ذوي قربى اشد غضاضة . ثم حاولت أن استفزه حتى يخرج من دائرة اليأس فقلت له أنت الذي تشد فينا العزيمة يا والدي أراك تريد أن تحبطني ، فإذا به يضع يديه تحت صدغيه ويبكي دون توقف عندها شعرت أن أبا عمار قد وصل إلى أقصى قدرات التحمل فهو محبط إلى ابعد الحدود ، ولقد شاهدت اباعمار في حياتي مرات عديدة يبكي فهو بطبعه بكاء ولايفرج عن همومه إلا بالبكاء ولكنه كان يحاول دائماً أن ينفرد بالبكاء حتى لايراه احد ولقد كنت أشاهده في لبنان حينما كان يأتي إلى غرفة العمليات (3 ) في برج أبي حيدر كان يدخل غرفة داخلية ويبقى يبكي لساعة كاملة ولقد صدف أن فتحت مرة عليه الغرفة فوجدته يجهش بالبكاء فتمالك نفسه وطلب أن أغلق عليه الغرفة فوراً ،ولما شاهدت أبا عمار يبكي أخذت ابكي معه ثم صمتنا نحن الاثنين ثم رفعت رأسي لأنظر إليه فوجدته ينظر إلي ودموعه مبلله ، فقال لي غداً يامأمون سيكون يومك أنت ، فأدركت انه يريدني أن أهاجم الجميع في كلمتي ، فقلت له وهل هناك خطوط حمر ، فرد عليّ ( ومن امتى ياخويا ) هو أنت عمرك وقفت على إشارة حمرا .
ثم شعرت أن نفسيته بدأت تهدأ ،فعدت لأقول له ياوالدي ،هذه ليست أول شدة ولن تكون الأخيرة وأنت دائماً تثق أن الله معك وفي النهاية سيفشلون ويعودون إليك ، قال أبو عمار : أنا عمري ماحسبت حساب لحد والله إني مليت وعايز أستريح (لكني لن أسلمها إلا إلى أيدي أمينة بأذن الله ) .
فقلت له : ياوالدي أنت دائماً كنت تقول (إلى تعب يستريح ) وانك دائماً مشروع شهادة فهل تعبت . 
فقال أبو عمار: والله إني ادعوا أن استشهد في الليل والنهار (وأنا لما هجم شارون على المقاطعة عندي هنا مسكت البندقية وكنت حنزل أقاتل حتى النهاية ولكن الشباب حملوني وأعادوني ،أنا مرت علي فترة كنت كل ساعة أضع المسدس في راسي ثم أتذكر الانتحار حرام فأرجع المسدس . 
فقلت له ياوالدي :أنت رجل مؤمن وزعيم تاريخي وقائد سيتحدث عنك التاريخ فأن انتحرت تكون قد انتحرت من التاريخ والذي يقتل نفسه يذهب إلى جهنم .
فقال لي : أنا والله لايهمني شارون ولا بوش ولا أمريكا ولا العالم كله ،لكن الذي يقتلني في كل ساعة الغدر والخيانة . 
احدهم أرسل لي يقول : مهو قلموا الأحمر بطل يشتغل . فقلت له : ياوالدي كان يجب أن لاتتركهم يصلوا إلى ماوصلوا إليه . 
قاطعت أبو عمار وقلت له أريد أن أسمعك هذه القصيدة وقرأت عليه قصيدة شعرت فرأيت أن معنوياته ترتفع مع كل بيت ووجهه بدأ يصفى. 
فعلق عليّ قائلاً : لافض فوك ، ثم أردف قائلاً : ايه دي الطوشة إلي عملتها في مكتب أبو الأديب ،(يقصد سليم الزعنون رئيس المجلس الوطني الفلسطيني ) فقلت له ماوصلك عنها، وفجأة دخل علينا سكرتيره فايز حماد وشعرت كأنه هو الذي استدعاه بكبسة زر ليسمع ما سأقول . 
فقال لي :لاياخوي أنا عايز اسمع منك . 
فقلت له :كنت اجلس أنا والأخ أبو الأديب في مكتبه لوحدنا وكنا نتابع مجزرة حي الدرج على تلفزيون فلسطين ،حتى حضر فجأة الأخ فاروق القدومي بصحبته عدنان سمارة (وهو نائب أمين سر المجلس الثوري ) وحكمت زيد (وكان وزير للزراعة مقال حديثا وقتها ) ومعهم أيضا سليم القدومي والعميد منذر ارشيد والعقيد ناهض الجيوسي والعقيد عبد المنعم أبو سردانه. 
أما أنا فصافحت فاروق القدومي وجلست في زاوية المكتب ويبدو أن حكمت زيد وعدنان سمارة لم ينتبهوا لي . 
فسأل أبو الأديب : حكمت زيد ماهي الإخبار في الداخل (يقصد داخل فلسطين ) فرد عليه 
حكمت زيد ، أي أخبار ، لقد اوصل أبو عمار الشعب الفلسطيني إلى أن يدور على الاكل ببراميل الزباله . 
وبقولوا انتفاضة أي انتفاضة ،هاي انتفاضة عاهرة يقودها شخص عاهر . ثم أردف قائلاً أبو عمار يعتقد انه يضحك على اليهود والامريكان وانو بضحك علينا فالساعة الخامسة يقول لنا أن كتائب الاقصى جواسيس ،وبعد الساعة العاشرة يعطيهم الاموال والمتفجرات . والان هو محاصر بفعل يديه ، (الله لايرده) والله انو شارون بدغدغنا دغدغة حتى الان والله إني زرته في المزرعة ( أي مزرعته) فوجدته بيبي فيس ، شارون بدافع عن نفسه ، لكن احنا قليلين حيا ، ثم اضاف الان ياسر عرفات محاصر ولا يستطيع أن يدخل عليه في اليوم الواحد أكثر من سبعة اشخاص من خلال تنسيق يعني يا أخ أبو الأديب اذا أبو عمار محاصر احنا انحاصر القضية الفلسطينية ، ياأخ أبو الأديب لازم تتحرك هو أبو عمار بدو يظلوا متجوزنا جيزة مايحل عنا . ثم قلت للاخ أبو عمار الذي بدأ وجهه يكفهر مرة اخرى . ثم سأل فاروق القدومي عدنان سمارة قائلاً لكن الأخ عدنان عندو وجهة نظر اخرى فأجاب 
عدنان سمارة / لا، أنا عندي نفس وجهة النظر لكن بضيف عليها إني كنت أنا في بيروت قبل فترة فدعوني لاحضر حفل بمناسبة ذكرى انطلاقة الانتفاضة فقلت لهم بحضر لكن بشرط فقالو لي وماهو هذا الشرط ، فقلت بحضر بصفتي مهندس وليس بصفتي عضو في منظمة التحرير فوافقوا فذهبت وقلت لهم بذلك الحفل : والله لايوجد اخطر على الشعب الفلسطيني من الانتفاضة الأولى إلا الانتفاضة الثانية ، فالانتفاضة الأولى انتهت ببلطجية الحارات والانتفاضة الثانية ابتدأت ببلطجية الحارات ،والانتفاضة الأولى ضدها الشعب الفلسطيني 100% والانتفاضة الثانية ضدها 100% واضرب بعشرة ،فقلت لابي عمار : عندها لم اتمالك نفسي لقد شعرت بغثيان رهيب فهذا استهزاء بالشهداء وبالنضال وبالجهاد وهذا تصغير وتحقير لكل تاريخ الشعب الفلسطيني النضالي وهذا تثبيت لكلام كل الاعداء ،وهذا تحدي بسابقة لم تمر عليّ من قبل ذلك ، ثم انفجرت غاضباً فقلت لهم : أنا بقلكوا مين اخطر ، فقال لي عدنان :مين فقلت لهم : انتوا لانكوا جواسيس (بكعكة ). 
فرد عليّ عدنان : انا كندرتي اشرف من راسك .فقلت له انت كندرتك بتمك يلعن ابو .......وهجمت عليه فأخذوا يفصلون بيننا فأذا بالاخ ابو الاديب يصرخ عليّ ويقول اطلع من مكتبي ... 
فعلق ابو عمار وهو ينظر إلى فايز حماد سكرتيره ،مش اولتلك ياخوي دول عملوا مع مأمون (ضربني وبكا وسبأني واشتكى ) ،ثم قال ابو عمار : انا حكمت زيد قبل شهر طردتو من هنا اولتلوا اطلع ياكلب من هنا هذا انسان صفته كذا وكذا ........وملف فسادوا عندي اد كدة واشار بيديه . 
فقلت له ولماذا تتستر على هذه الاشكال ياابو عمار ،فقال لي : لسه بدري . 
فقلت له : ماعاد فيها بدري هؤلاء افسدوا فأساؤا لك ، وبعد ذلك ذهبوا يحملونك الفساد، بل انهم الان يحرضون امريكا واوربا وحتى اسرائيل عليك الم تسمع مراتينوس وسولانا وهم يقولون لقد سمعنا امور خطيرة عن عرفات تتعلق بالأرهاب . 
فرد سكرتير الرئيس فايز : ياأخ مأمون لاتبالغ بالكلام اسرائيل مابدها حدا يحرضها ، اسرائيل هي الي تحرض . 
بعد ذلك جاء موعد العشاء فسأل الرئيس ان يحضر العشاء فوافق له الرئيس وبعدها بدأ الضيوف يدخلون مكتب الرئيس وأكثرهم من المسئولين ومنهم مروان كنفاني مستشار الرئيس السياسي السابق واحمد التميمي وكيل وزارة الداخلية وهو ابن عمي وزوج أختي وعبد الله الحوراني وآخرون ، وكان من عادة الرئيس حينما يحين موعد الطعام سواء الفطور او الغذاء أو العشاء ينظر إلى ضيوفه حول الطاولة ويستأذنهم في تناول الطعام بمعيتهم فيرحبون بذلك ، وان كان عنده ضيف خاص ، فينظر اليه لوحده ويستأذنه ويقول له اذا بتسمح نتناول الطعام بمعيتك ، فيرحب الضيف بذلك إلا أن الرئيس هذه المرة وبالرغم من اني لست ضيف نظر إلي لوحدي وقال لي : اذا بتتكرم علينا نتناول العشاء بمعيتك ، فقلت له هذا شرف عظيم لي ثم بدأ الحديث يدور ونحن حول طاولة الطعام ،فقال مروان كنفاني أنا كنت بزيارة جبريل الرجوب قبل قليل وهو يسلم عليك ، ويقول لك أنشاء الله مضليتش زعلان منو .
فرد عليه الرئيس : ازعل منو لي يخويا ، دانا فش حاجة بيني وبينوا . ثم قال أبو عمار مخاطباً احمد التميمي : أخبار التمايمه إيه ياابو السعيد ، فرد عليه احمد : هذا مأمون اسألوا بعرف عن التمايمه أكثر مني . 
فتدخل مروان كنفاني قائلاً : ان هناك وثائق عندنا في العائلة تبين اننا من عائلة التميمي . 
فرد عليه احمد : يجب أن تتأكد أن عشيرة التميمي قسمان ،فالقسم الاول هم قبيلة بنوا تميم وهي القبيلة التي تمتد من الجزيرة العربية إلى العراق والقسم الثاني أبناء الصحابي تميم بن اوس الداري وكان قبل أن يدخل في الإسلام راهب يعمل بتجارة الخمور واصله من اليمن .فقال مروان كنفاني معلقاً وهو يضحك ، اذا كان يعمل بتجارة الخمور هذا اكبر دليل اني تميمي . فضحك الجميع ، ولما انتهى العشاء وصممت بالمغادرة مع الجميع أشار أبو عمار أن أبقى مكاني ثم ناداني لأجلس بقربه وقال لي :أنا بكرة عايز أشوف (الشيخ اسعد ) ورى الميكرفون ، يقصد والدي ولقد كان معروف بجرأة لاحدود لها ولقد كان خطيباً مفوها ذا صوت جهوري وكان الناس يطلقون عليه خطيب المسجد الأقصى . فقلت للرئيس : ولكن أتمنى عليك في نهاية كلمتي ان ترفع أصبع إبهامك لتؤكد أن موقفك مثل موقفي وانك غير راضي عما يفعله هؤلاء فقال لي بأمرك يامأمون ، ( كان الرئيس ينادي الجميع أبو فلان وأبو فلان ألا أنا فكان لا يناديني إلا باسمي ).
في اليوم الثاني كان موعد انعقاد المجلس المركزي الساعة العاشرة صباحاً في قاعة تابعة لمقر الرئيس لم تدمرها اسرائيل ، وصلت قبل موعد الاجتماع بنصف ساعة وبدأت اصافح الاخوة والزملاء في المجلس المركزي والمراقبين والضيوف ولايوجد سلام عادي مع احد بل مع الكل تقبيل وعناق ، وسواءً الذين احبهم والذين اكرههم والكل يجامل على نفس الطريقة ، بدأت القاعة تمتليء والصحافة في الخارج موجودة بشكل كثيف جداً ،وبدأ الضيوف يتوافدون سواء السفراء المعتمدين لدى السلطة او الشخصيات الرسمية او المراقبين او اعضاء المجلس التشريعي ، ثم حضر الرئيس ابو عمار وكان بصحبته منيب المصري الذي كان قد اقترحه رئيس الوزراء ولكن الجميع رفض وكان يمسك بيد منيب إلى أن دخل القاعة فبدأ يصافح معظم اعضاء المجلس المركزي والضيوف . ثم التفت ابو عمار نحوي وحرك رمشه بطريقة أفهم من خلالها انه يريد أن أقترب منه،وفعلاً اقتربت منه فمسك يدي وأصبح يتحرك ويصافح الجميع وهو ممسك بيدي ،إلى أن ترك يدي وتوجه نحو المنصه، وجلس بجانبه ، الاخ ابو الاديب رئيس المجلس الوطني الفلسطيني ،والاخ محمد صبيح امين سر المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية ، ثم بدأ الاجتماع بعد قراءة آيات من القرآن الكريم ثم عزف السلام الوطني الفلسطيني وقراءة الفاتحة على ارواح الشهداء . ثم ألقى ابو الاديب كلمة الافتتاح وهي كلمة المجلس الوطني وقدم الرئيس ابو عمار ليلقي كلمته، تكلم ابو عمار حول الانتفاضة والحصار ومعاناة الشعب الفلسطيني وفي منتصف كلمته قال (اني ارشح اخي ورفيق دربي ابو مازن كرئيساً للوزراء ) ولما صفق الجميع وجد ابو عمار ضالته فقال (اهيه ياخويا اجتك بالاجماع ) فأبو عمار الذي بدأ يفقد هيبته ولم تعد له الكلمة العليا بعد الحصار خاف ان يصل الامر لمرحلة التصويت فقرر ان يختصر الامر بسرعة ،تلا ذلك كلمة ابو مازن امين سر اللجنةالتنفيذية لمنظمة التحرير ،ثم رفعت الجلسة لتصبح بعد ذلك جلسة سرية ، وبدأ الاخ ابو الاديب الذي يدير الاجتماع بتسجيل اسماء الذين سيتكلمون وسجلت اسمي وقلت له ان يجعلني اخر المتحدثين فرد على ابو الاديب بعرف بعرف ، فهو يعرف اني دائماً اطلب كلمتي اخر المتحدثين حتى اصبح لوحده يضعها في الاخر .تواصلت الكلمات إلى الساعة الثانية ثم رفعت الجلسة من اجل تناول الغذاء بدعوة من الرئيس بعد ذلك التئم الاجتماع الساعة الخامسة ، واستمرت الكلمات ، وكان قد وردني ان الطيب عبد الرحيم امين عام الرئاسة قد ذهب لابو الاديب بعد الغذاء وقال له انه لا داعي لاستمرار الكلمات في جلسة المساء وانه اختصار للوقت فيجب تحويل الاجتماع إلى اللجان والبيان الختامي فوافق ابو الاديب على ذلك . 
ولكن فور ان جلس الرئيس بجانب ابو الاديب في الجلسة المسائية ، حتى طلب منه ان يستمر في الكلمات ، فوقف الطيب مخاطباً ابو الاديب يااخ ابو الاديب ، احنا اتفقنا انو مافي كلمات ، ياابو الاديب اتركنا من الكلمات وخلي لجنة البيان الختامي تجتمع ، خلينا نكسب الوقت ، فأذا بالرئيس يتدخل ويجيب الطيب : يعني ناس تحكي وناس ماتحكيش .
لقد كان ابو عمار يدرك ان العديدين لايريدون ان تصل الكلمة الي ، ولما شاهد الرئيس بعضهم اتى الي وعانقني فخاف ان يكونو قد امتصوني بذلك او اخرجوني عن ما اريد ان اقوله فنزل الرئيس عن المنصه وتوجه نحوي ولما وصلني مسك يدي واخذ يتنقل بين اعضاء المجلس المركزي وهو يصافحهم ، ثم همس الرئيس بالقرب من اذني ، انا عايز تعلي الوتيرة على الاخر . 
ثم تركني الرئيس وعاد وجلس على المنصه 
،كان المتحدثون كلهم وبشبه اجماع يؤيدون مشروع رئاسة الوزراء دون ان يدركوا ان هذا مشروع قيادة بديلة وان فيه نهاية ياسر عرفات ليس لانه مفسد كما تقول امريكا بل لانه صمد ورفض وعاند وكابد وناضل وتحدى ، ولانه هو الوحيد بين زعماء العالم الذي تحدى الادارة الامريكية في عقر دارها وقال لها لا ، بل لايوجد هناك بالسياسة الامريكية ان سمع أي وزير خارجية امريكي من يصرخ في وجهه ويشتمه، ولكن فعلها ياسر عرفات مع اولبرايت ففي لحظة غضب من وزيرة الخارجية صاح فيها وقال لها ( انت عاهرة ) ولايوجد في تاريخ الادارة الامريكية من قال لاي رئيس امريكي : يبدو انك ياسيادة الرئيس لم تنم بالامس جيداً . 

لقد كان يتصور هؤلاء المجتمعون ان القضية قضية اصلاحية ارادتها امريكا من اجل اصلاح السلطة ولكن من بين هؤلاء ثلة ليست قليلة كانت تدرك ماذا يدور جيداً ، ثم جاءت كلمة الجبهة الشعبية وهي الوحيدة التي تحفظت على مبدأ رئاسة الوزراء الا ان ممثل الجبهة هاجم ياسر عرفات بشدة دون ان يدرك ان الرئيس منهك الاعصاب إلى درجة لاتوصف فأستشاط الرئيس غضباً وصاح بممثل الجبهة وقال نحن هنا نضع التاريخ ومش عايزين حد يزاود علينا الا ان ممثل الجبهة الشعبية استمر بالهجوم على ياسر عرفات مما دفع الرئيس لان يمسك الميكرفون من قاعدته ويرميه في وسط القاعة وهو يصيح ، هذه الحالة كشفت ان الرئيس وصل إلى الحد الاقصى من الاحتمال فالرئيس معروف عنه انه يتقبل اقصى انواع الانتقاد في الاجتماعات دون ان يبدي أي ردة فعل ولكن هنا الحالة اختلفت بسبب تراكمات المعاناة والحصار الذي يتلوه حصار والمعارك التي تلتها معارك الا ان الحصار الشخصي والمعنوي من قبل الذين حوله قد اوصله إلى مرحلة دقيقة للغاية . وانا دائماً اعجب عن مقدرة احتمال ابو عمار الغير عادية فو الله لو اصاب ما اصابه أي شخص او أي زعيم في العالم لفقد اما عقله واما حياته فهذا الرئيس ودع عشرات الالاف من الشهداء و ودع معظم رفاقه من القيادة بعد ان قتلوا او استشهدوا وهذا الرئيس رأى من الاهوال مايعجز اللسان عن وصفه . بعد ذلك اسرعت إلى ممثل الجبهة الشعبية وحلفت عليه بالله ان يتوقف عن مناكفة الرئيس فالرئيس ماعاد يحتمل وإن مات فسوف تكونون انتم خاصة في مهب الريح . توالت الكلمات ومعظمها تقرأ عن أوراق 
إلى ان جاءت كلمة الطيب عبد الرحيم ، الذي طالب بوقف الحوار مع حماس والجهاد وقال ان اربع جلسات حوار مع حماس والجهاد تبين ان هذا حوار عبثي ومهزلة يجب ان تتوقف فهؤلاء ليس بيننا وبينهم الا الضرب بيد من حديد او اقل شيء نفرجيهم العين الحمراء و مجربه يااخوان وكان كل كلام الطيب مصبوب في هذا الاتجاه ، بعد الطيب رأيت الرئيس يهمس في اذن ابو الاديب فأدركت ان الرئيس طلب من ابو الاديب ان يعطيني الكلمة وذلك لان كلمتي في النهاية ولم يأتي دوري بعد . ثم استلمت الميكرفون لأبدأ خطابي المرتجل بحيث انني لاأكتب خطاباتي او كلماتي ودائما أرتجل الا ان بعض الاشخاص دفعوني لأسجل نقاط من اجل الرد عليهم وأنا يصفني العديد من اعضاء المجلس المركزي والتشريعي اخطب من سمعوا في حياتهم ومن هؤلاء عزام الاحمد ود.سمير غوشة وعبد الرزاق المجايده والحاج اسماعيل والحاج مطلق ورئيس اللجنة القانونية في المجلس التشريعي . وابو علاء قريع وابو عمار الذي كان يسميني خطيب المجلسين وانا حينما اخطب يصبح لي صوت اخر يختلف بشكل كامل عن صوتي العادي ، فأذا اخطبت لااحتاج إلى ميكرفون ولكني اذا مسكت الميكرفون يصبح لي صوت مدوي يهز اركان المكان الذي اخطب فيه. 
كان الجميع يسألني منذ بداية الاجتماع متى ستكون كلمتك ، فكنت اقول لهم كلعادة في الاخر .
ولما جاءت كلمتي بدأت بصور شعرية كيف جئت إلى عرين الاسد واقصد ابو عمار فوجدت هذا العرين وقد دمر، ووجدت الاسد يربض فوق دمار عرينه دون ان يستسلم او ان يرفع الراية البيضاء ، او ان يركع لغير الله . لقد قاتل ابو عمار هذا العدو المجرم وخاض كل معاركه التي لم يهزم فيها بالرغم من ان دول هزمت في ساعات ، وصبر ابو عمار وصمد في كل الحصارات ففي حصار بيروت والله لولا انه كان بيننا ماصمدنا ثلاثة اشهر فكان يقاتل بين صفوفنا ويدير غرفة العمليات ويدير المعركة سياسياً وعسكرياً وميدانياً ،لقد وعد شارون الصحفيين في ذلك الوقت بأنه سياتي لهم بياسر عرفات في قفص خلال 48 ساعة ولكن خاب فأله وطاش سهمه ومرغ ابو عمار انفه بالتراب وها هو اليوم ابو عمار يحاصر ولكنه الحصار الاشد وطئه والاكثر ايلام وذلك لانه حصار رفاق الدرب الذي جعل منهم ارقام وهاهم الان يريدون ان يجعلوا منه ركام ، 
اما اخي الطيب عبد الرحيم فأقول له ليس الحوار العبثي مع الجهاد وحماس بل الحوار العبثي هو مع شارون فأي عاقل هذا الذي يعتقد ان شارون يريد ان يعطينا شيء او أي شيء فهذا المجرم لم يعترف بأتفاقية السلام مع مصر والاردن فكيف سيعترف بها معكم ، (مالكم كيف تحكمون ام لكم كتاب فيه تدرسون ) اما ان حماس والجهاد ليس عندهم مشروع وطني ، فالمشروع الغير وطني هذا الذي تجتمعون من اجله فمشروع رئاسة الوزراء هو مشروع امريكي طلبته امريكا وهو مشروع اسرائيلي طلبته اسرائيل ، فهم لايريدون الاصلاح لنا ولكن يريدون انهاء عرفات تمهيداً لتصفية هذه القضية ، وياللعار ها نحن نراكم تريدون ان تكافؤوا هذا القائد الصامد على صموده بطريقة سنيمار ولكنكم واهمون فسوف يأتي اليوم الذي تترحمون فيه على ابو عمار وستعرفون كم اخطئتم بحقه وكم اسأتم له ، لاتظنوا اني ارفض مبدأ رئاسة الوزراء ولكني ارفض ان يكون هذا المشروع المطلوب امريكيا واسرائيلياً بمسمى الاصلاح وغايته تمرير المشاريع التصوفية ،وقلت له يااخ ابو عمار ان هؤلاء الذين هاجموا حماس والجهاد الان بكلامهم هذا يهاجمونك اكثر من ذلك بكثير ويشتمونك بصالوناتهم واجتماعاتهم وهذا هو الأخ ابو الاديب بجانبك فأسأله فهز ابو الاديب رأسه موافق على الكلام . 
كان ابو عمار طوال كلمتي يضع يديه تحت صدغيه ويضع عينيه في عيني وكأنه يريد ان يزيد في شحني وكأنه يقول لي صعد إلى اخر المطاف وماان انهيت كلمتي حتى شاهد الجميع ابو عمار يرفع اصبعي ابهامه اليسرى واليمنى ويرفع يديه بطولها إلى الاعلى ، فرددت عليه ان رفعت اشارة النصر ، الامر الذي بهت فيه الجميع. 
يتبع في الحلقة القادمة ..... 

arabic_strategu@yahoo.comعنوان البريد للكاتب

الجمعة، 15 سبتمبر، 2017


 

الجمعة، 15 سبتمبر، 2017


دنيا الرأي
ويدّعي نسب الأجداد من عربَ انظر إليه هل يشبه العرٍِبَ
تاريخ النشر : 2010-02-25

 بقلم: عصام عبيد

إلى متى يهتم عربنا بالقشور وإهمال اللب والجذور، إلى متى تظل تنظر للواقع بخوف وريبة وتحسب كثيرا وتتحسب أكثر عندما تراعي مصالح الآخرين وإهمال مصالحنا ، كما إلى متى يهتم المسوؤلون العرب بمصالحهم الشخصية والتحايل على المصالح الوطنية والقومية ، والى متى يهدرون طاقات الأمة وثرواتها بحجة الأوضاع الدولية غير المواتية وغيرها ، ولماذا لم يحاولوا الاستفادة من فرص كثيرة كانت الأوضاع الدولية تلك مواتية لتلبية مصالحنا
إننا لانتهمهم بأكثر من الخوف والتقصير وهم لهم حق توجيه التهم المناسبة لأنفسهم دون خوف من أحد وان اكتشفوا حقيقتهم التي يعرفونها جيدا نتمنى عليهم مصارحة الأمة وطلب مساعدتهم والوقوف جانبهم ، كما وعليهم الاعتراف بمحدودية أفقهم السياسي وتحصيلهم العلمي وخبراتهم اللهم إلا في أمور القتل والتعذيب والملاحقة والتبرير والأختباء خلف أنوفهم بحجج كثيرة غير مقنعة حنى لأقرب المقربين لديهم والذين هم الطامة الكبرى لهم ولنا جميعا ، فهؤلاء يمدحونهم بفجاجة معددين عبقرياتهم وإنجازاتهم ووطنيتهم وسعة أفقهم ومواجهتهم لكل أعداء الأمة وينسون أو يتناسون عن قصد أن تلك العبقرية هي في الضحك على الذقون ، والإنجازات هي في الاهتمام بالقشور وإهمال الجذور، والوطنية هي في تفصيل الأحزاب على قياس ولائها لهم ومساندتها لأنظمتهم ، وسعة أفقهم هي في عدم إغضاب المعتدين على حقوق شعوبهم وثروات بلادهم والساخرين منهم ومن غبائهم في التعامل مع ما يحدث بردود فعل آنية محسوبة لهم ومتوقعة أن يقعوا فيها ببساطة وسذاجة وإيحاء من الحاشية الفاسدة والمستشارين المرتبطين
أننا لا نبالغ فيما نقول ولدينا مئات الأمثلة والدلائل على ذلك من قضايا الصراع على النفوذ في المنطقة ، والتدخل في كل صغيرة وكبيرة ، والتحريض على قتال بعضهم لبعض وتوسيع الهوة حين الاختلاف على قضايا تافهة وليست خطيرة ، عدا عن تزويدهم كلهم بالسلاح ، الذي يستنزف ثروات الأمة ، لقتال بعضهم للبعض على خلافات تافهة قد يكون معظمها إيواء معارض لهذا النظام أو ذاك أو تصريح احد المسوؤلين المعتوهين في دولة ضد أخرى أو حتى وقوع خطأ مقصود أو غير مقصود في بعض بروتوكولات الاستقبال أو التوديع والأسباب التافهة كثيرة لا تعد ولا تحصى ، ويضحكون علينا بوسائل إعلامهم ومفكريهم البؤساء لتبرير ذلك الموقف أو ما يشبهه بأنه قضية عظمى تستوجب الويل والثبور وعظائم الأمور ومن جوهرالكرامة والسيادة ، ويصدق العامة ما يقولون تحت تأثير اللامبالاة وعدم الثقة في العواقب ، ويسكت الآخرون خوفا وقهرا أو يتكلم ويخرج مهاجرا من وطنه إلى غير رجعة ، مشرداَ في بلاد العالم وفى أصقاع الأرض ليذوب شيئا فشيئا هو وذريته ، ويصبح وطنه مجرد ذكريات وعلم يعلقه في صدر بيته ينظر إليه كلما اشتد به الحنين بوجد ودمعة حزينة
.

جميع الحقوق محفوظة لدنيا الوطن © 2003 - 2017

الخميس، 7 سبتمبر، 2017

الرئيسية | أخبار الجاليات العربية | الجالية الفلسطينية بمدينة زيغن الألمانية تنظم حفلا للعائلات الفلسطينية
الجالية الفلسطينية بمدينة زيغن الألمانية تنظم حفلا للعائلات الفلسطينية

الجالية الفلسطينية بمدينة زيغن الألمانية تنظم حفلا للعائلات الفلسطينية

زيغن- ألمانيا
أقامت الجالية الفلسطينية بمدينة زيغن في ولاية شمال الراين – فستفالن بألمانيا حفل شواء للعائلات بمناسبة عيد الفطر السعيد وذلك يوم الاحد الموافق 2 تموز/يوليو الجاري . ‎
شارك في هذا الحفل شريحة واسعة من ابناء الجالية الفلسطينية في مدينة زيغن، اجتمعوا جميعهم في كوخ مخصص لحفلات الشواء في الغابة (Grillhütte am Tiergarten) ملبيين دعوة الجالية الفلسطينية في زيغن و التي تشكل حاضنة لهم في المهجر في اجواء مليئة بالالفة و المحبة للاحتفال بهذا العيد المبارك و ليكون ملتقى جديدا لابناء الجالية وزوجاتهم وابنائهم . ‎
وافتتح الحفل بكلمة لرئيس الجالية د. أسامة شامية مرحبا فيها بالضيوف و الحضور الكرام و مشيدا بتواجد الاسر و الاطفال الذين اضفوا رونقا جميلا لهذا الحفل الفاخر و مركزا على ان هذه الفعاليات هي في الدرجة الأولي لزياده الترابط الاجتماعي لابناء الجاليه الفلسطينيه . ‎
و اشاد د. شامية بدور مثل هذه النشاطات في تعريف اطفالنا عن أعيادنا الدينية وعن تقاليدنا وعاداتنا في هذه المناسبات مؤكدا على اهمية التعارف والتقارب ما بين العائلات والاطفال لخلق اجواء ايجابية و حميمة فهم الاقدر على التفاعل مع المجتمع الألماني.
وعبر عن ارتياحه للفرحة التي غمرت الاطفال و عن ارتياحة للمشاركة الواسعة لهذا العام من قبل ابناء الجالية بهذا العيد . ‎
هذا و قد تم توزيع الهدايا للاطفال بعد مسابقه رياضيه قصيره كما وقد تخلل الحفل مسابقه ثقافية للكبار بعد تقسيم الحضور الي عده فرق كل فريق يحمل اسم مدينه فلسطينيه. وحصل فريق نابلس علي أعلي النقاط.
و اشاد د. شامية بجهود ابناء الجالية الفلسطينية حيث انها الجالية الانشط بين الجاليات العربية الاخرى، داعيا المولى عزوجل ان يحفظ الجالية وابنائها وان تنعم منطقتنا العربية و الاسلامية بالامن و الاستقرار.


من هم "مواطنو الرايخ" الذين لا يعترفون بسلطة الدولة في ألمانيا؟

© أ ف ب/ أرشيف
آخر تحديث : 02/09/2017

سلطت محاكمة ووالفغانغ.ب المتهم باغتيال شرطي في إقليم بافاريا، الضوء في ألمانيا على مجموعة من المتطرفين الألمان الذين يعرفون بـ"مواطني الرايخ". وهي جماعة لا تعترف بسلطة الدولة ولا بقوانينها.

أماطت محاكمة رجل متهم باغتيال شرطي، اللثام عن جماعة متطرفة تطلق على نفسها لقب "مواطني الرايخ". وتعود أطوار قضية اعتقال المتهم ووالفغانغ.ب إلى 19 أكتوبر/تشرين الأول 2016 في بلدة جورجنسموند في إقليم بافاريا.
وقاوم المعتقل يومها رجال الشرطة الذين أتوا لاعتقاله لأنه يملك أسلحة دون ترخيص، فأطلق عليهم وابلا من الرصاص، ليصيب عدة أشخاص منهم، ويقتل أحدهم.
ولاحظ المحققون لحظة اعتقال المشتبه به خطا أصفرا رسم حوالي المنزل الذي كان يقطن فيه، بينما كتب على صندوق البريد: "كلماتي هي القانون هنا".

منزل ووالفغانع ب

وبعد عشرة أشهر من التحقيقات انطلقت محاكمة ووالفغانع.ب يوم الثلاثاء 29 آب/أغسطس الماضي، في مدينة نورمبورغ.
ويرفض المعتقل أن يحاكم وفق القانون الألماني الذي لا يعترف به ولا بشرعية المحكمة. وهو بهذا يشبه أكثر من12 ألف ألماني يطلقون على أنفسهم لقب "مواطني الرايخ". وتضم الجماعة نازيين جدد يرفضون سلطة المؤسسات الدستورية.
إرجاع جواز السفر
وتحظى محاكمة ووالفغانغ بتغطية إعلامية واسعة، خصوصا لأنها تسلط الضوء على جماعة طالما اعتبرت هامشية، لكنها أصبحت تلقى إقبالا متزايدا بين الألمان في الآونة الأخيرة.
وحسب تعبير المعتقل فإن الخط الأصفر كان يمثل حدود أراضيه الخاصة التي يطلق عليها "ووالفغانغ ديستريكت" (مقاطعة والفغانغ). وكان المتهم يرفض أي "اجتياح" لها من "الخارج"، فاقتنى حوالي ثلاثين قطعة سلاح لطرد من كان يعتبرهم بـ"المستعمرين".
وقال بيتر بوور، وهو أحد أصدقاء طفولته لوكالة الأنباء الألمانية (دي بي إي) إنه "كان يعتبرها دولته الخاصة مع قوانينه الخاصة. ولم يكن يحق للجمهورية الفيدرالية أن تجعله يدفع الضرائب بحسب وجهة نظره".
وعرف ووالفغانغ.ب بمواقفه المعادية للسلطة ورفضه دفع الضرائب إلى حد جعله يهدد مفوضا قضائيا برفع دعوى ضد ألمانيا أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي!

محاكمة ووالفغانع ب

وقبل أشهر من إطلاقه النار على رجال الشرطة، قام مستشاره المالي بإجراءات لإعادة جواز سفره للسلطات، وطلب أن يحذف اسمه من لائحة المقيمين في المنطقة. كما هاجم رجال الشرطة أكثر من مرة على الشبكة الاجتماعية فيس بوك وكان يصفهم "بجنود تجار العبيد"، والقضاة بـ"الصيادين المأجورين". وهي الادعاءات التي كان يتناقلها "أصدقاؤه" على فيس بوك.
ويلتقي هؤلاء مع المشتبه به في رفضه لسلطة الدولة. ولا يعترفون بكل الحكومات المتعاقبة منذ هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية سنة 1945.
وبالنسبة إليهم يجب العودة إلى الحدود الألمانية لما قبل تاريخ هزيمتهم في الحرب. بينما آخرون منهم يحنون إلى "مملكة بروسيا". لكن ووالفغانغ ب يعتبر واحدا ممن يفضلون التركيز على ملكيتهم الخاصة التي يعتبرونها دولتهم.
ويلتقي "مواطنو الرايخ" في قربهم من اليمين المتطرف لكن لا ينتمي جميعهم إلى النازيين الجدد.
أكثر من 12 ألف شخص
ودفعت المحاكمة وزارة الداخلية الألمانية إلى التحقيق أكثر في طبيعة انتماءات الأشخاص الذين يطلقون على أنفسهم "مواطنو الرايخ". وبحسب المعطيات المتوافرة لديها، فهم يصلون إلى حوالي 12600 شخص، بينما لم تكن قد أحصت قبل الحادث إلا 4500.
ويقدم الكثير من هؤلاء على ممارسة الغش الضريبي والعصيان المدني. ويرفضون تقديم بطاقة هويتهم لرجال الأمن، حين يوقفونهم. ويصدرون بطاقات هوية مزورة تحمل توقيع "الرايخ".
لكن مراقبة هؤلاء صعبة، إذ لا ينتمون إلى منظمة تقليدية ولا توجد قيادات لهم. وبإمكان أي واحد منهم أن يعلن نفسه "أميرا" أو "رئيسا" أو "إمبراطورا".
ومن أبرز هؤلاء ووالفغانغ إبيل الذي أعلن نفسه مستشارا للرايخ. وكان الرجل شكل حكومة للرايخ الذي يحلم به سنة 1985!
وهناك أيضا بيتر فتزك، الذي أعلن نفسه "ملكا لألمانيا"، وجعل من مبنى مهجور لمستشفى مملكته، قبل أن يتم اعتقاله سنة 2017، بعد أن احتال على زبائن، من خلال فتح بنك وهمي، وحصل على مبلغ يصل إلى 1.3 مليون يورو.
لكن السلطات لا تتخوف من هؤلاء بل ممن يلجؤون إلى العنف مثل ووالفغانغ ب، ولا يترددون في استعمال أسلحتهم. ومن ضمن هؤلاء أدريان أورساش، الذي أنشأ "مملكة أور" وقاوم 200 رجل شرطة مطلقا النار عليهم.
وستبدأ محاكمة أورساش في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل بتهمة محاولة القتل.
اقتباس: محمد الخضيري